الشيخ المحمودي
626
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
فيها مذموم ، والرّخاء فيها لا يدوم ، وإنّما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها وتقضمهم بحمامها . عباد اللّه ، إنّكم وما أنتم من هذه الدّنيا على سبيل من مضى ممّن كان أطول منكم أعمارا ، وأشدّ منكم بطشا ، وأعمر ديارا وأبعد آثارا ، فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلّبها ، وأجسادهم بالية وديارهم خالية وآثارهم عافية ، واستبدلوا بالقصور المشيّدة ، والسرر والنمارق الممهّدة ، الصّخور والأحجار المسندة في القبور اللّاطئة الملحدة الّتي قد بني للخراب فناؤها « 1 » وشيّد بالتراب بناؤها ، فمحلّها مقترب وساكنها مغترب ، بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلّة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدّار ، وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثرى ؟ ! ! فأصبحوا بعد الحيات أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات ! كلّا إنّها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون . وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من الوحدة والبلى في دار الموتى ، وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمّكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور ؟ وبعثرت القبور ، وحصّل ما في الصّدور ، وأوقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل ، فطارت القلوب ؛ لإشفاقها من سالف الذّنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والأسرار ، هنالك تجزى كلّ نفس بما كسبت ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) « 2 » . ( وَوُضِعَ الْكِتابُ
--> ( 1 ) - هذا هو الظاهر الموافق لما في المختار : ( 220 ) من نهج البلاغة ، وفي النسخة الظاهرية : « التي قد بين الخراب فناؤها » . ( 2 ) - اقتباس من الآية : ( 31 ) من سورة النجم .