الشيخ المحمودي
138
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
ما اخترناه من كتاب أمالي الشريف المرتضى رفع اللّه مقامه المولود عام : ( 355 ) المتوفّى ( 436 ) قال : [ 301 ] - أمالي 2 الشريف المرتضى - أمالي - أواسط المجلس الأوّل : ج 1 ص 17 روى أبو عبيد القاسم بن سلّام في كتابه غريب الحديث 1 أبو عبيد القاسم بن سلّام - غريب الحديث - عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال : من أحبّنا أهل البيت فليستعدّ للفقر جلبابا أو تجفافا « 1 » .
--> ( 1 ) رواه السيّد المرتضى - طاب ثراه - في أواسط المجلس الأوّل من أماليه : ج 1 ص 17 ثمّ قال : قال أبو عبيد [ القاسم بن سلّام في كتابه غريب الحديث ] : قد تأوّل بعض الناس هذا الخبر على أنّه أراد به الفقر في الدنيا . قال : وليس ذلك كذلك لأنّا نرى فيمن يحبّهم مثل ما نرى في سائر الناس من الغنى والفقر ولا تمييز بينهما [ ثمّ ] قال : والصحيح أنّه أراد الفقر في يوم القيامة ، وأخرج الكلام مخرج الموعظة والنصيحة ، والحثّ على الطاعات ، فكأنّه أراد : من أحبّنا فليعدّ لفقره يوم القيامة بما يجبره من الثواب والقرب إلى اللّه تعالى والزلف عنده . ثمّ قال المرتضى رحمه اللّه : [ و ] قال أبو محمّد عبيد اللّه بن مسلم بن قتيبة : وجه الحديث خلاف ما قاله أبو عبيد ؛ ولم يرد [ أمير المؤمنين ] إلّا الفقر في الدنيا ومعنى الخبر أنّ من أحبّنا فليصبر على التقلّل من الدنيا والتقنّع فيها وليأخذ نفسه بالكفّ عن أحوال الدنيا وأعراضها . وشبّه [ عليه السّلام ] الصبر على الفقر بالتجفاف أو الجلباب لأنّه يستر الفقر كما يستر الجلباب أو التجفاف البدن . [ ثمّ قال ابن قتيبة ] : ويشهد لصحّة هذا التأويل ما روي عنه انّه رأى قوما على بابه فقال : يا قنبر من هؤلاء ؟ فقال قنبر : هؤلاء شيعتك . فقال : ما لي لا أرى فيهم سيماء الشيعة ؟ قال : وما سيماء الشيعة ؟ قال : خمص البطون من الطوى يبس الشفاء من الظلما ، عمش العيون من البكاء . [ ثمّ قال المرتضى طاب ثراه : ] هذا كلّه قول ابن قتيبة ، والوجهان جميعا في الخبر حسنان ، وإن كان الوجه الذي ذكره ابن قتيبة أحسن وأنصع . ويمكن أن يكون في الخبر وجه ثالث تشهد بصحّته اللغة ، وهو أنّ أحد وجوه معنى لفظة الفقر أن يحزّ أنف البعير حتّى يخلص إلى العظم أو قريب منه ، ثمّ يلوى عليه حبل يذلّل بذلك الصعب ، يقال : فقره يفقره فقيرا إذا فعل ذلك به . وبعير مفقور وبه فقرة ؛ وكلّ شيء حززته وأثّرت فيه فقد فقّرته تفقيرا ؛ ومنه سمّيت الفاقرة ؛ وقيل : سيف مفقّر . فيحمل القول على أنّه عليه السّلام أراد : من أحبّنا فليزم نفسه وليخطمها وليقدها إلى الطاعات ويصرفها عمّا تميل طباعها إليه من الشهوات وليذلّلها على الصبر عمّا كره منها مشقّة ما أريد منها ؛ كما يفعل ذلك بالبعير الصعب . وهذا وجه ثالث في الخبر لم يذكر ، وليس يجب أن يستبعد حمل الكلام على بعض ما يحتمله إذا كان له شاهد من اللغة وكلام العرب ، لأنّ الواجب على من يتعاطى تفسير غريب الكلام والشعر أن يذكر كلّ ما يحتمله الكلام من وجوه المعاني فيجوز أن يكون أراد المخاطب كلّ واحد منها منفردا وليس عليه العلم بمراده بعينه ؟ فإنّ مراده مغيّب عنه ، وأكثر ما يلزمه ما ذكرناه من وجوه احتمال الكلام .