الشيخ المحمودي

83

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

- 5 - ومن وصيّة له عليه السّلام في الحثّ على مداراة النّاس رواها حافظ الشّيعة وصدوق الشّريعة ابن بابويه رحمه اللّه ، عن إبراهيم ابن الوليد ، عن محمد بن أحمد الكاتب رفعه ، أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال لبنيه : يا بنيّ إيّاكم ومعاداة الرّجال ، فإنّهم لا يخلون من ضربين ، من عاقل يمكر بكم ، أو جاهل يعجّل عليكم ، والكلام ذكر والجواب أنثى ، فإذا اجتمع الزّوجان فلا بدّ من النّتاج ، ثمّ أنشأ عليه السّلام يقول : سليم العرض من حذر الجوابا * ومن دارى الرّجال فقد أصابا ومن هاب الرّجال تهيّبوه * ومن حقر الرّجال فلن يهابا « 1 »

--> ( 1 ) هاب يهاب ويهيب - ( من باب خاف وباع ) هيبا وهيبة ومهابة - فلانا أي عظّمه ووقّره ، ومراده عليه السّلام : إنّ من أراد المهابة والجلالة والتوقير والاحترام فلابدّ من تجرع الغصص وتحمل المرارة بتعظيم النّاس ، وغض النّظر عن سوء سيرتهم وسريرتهم ، وأنّهم غير مستحقين للاحترام ، بل أهل للتوهين والملام ، إذ بالمعاملة بالمثل وقدر الاستحقاق يختلّ نظام المجتمع ، ويؤول أمر الصّداقة والمحبة إلى العداوة والبغضاء فلابدّ للعاقل أن لا ينظر إلى قابلية الأشخاص ، بل ينظر إلى قابليته وشخصيته ، فيصل من قطعه ، ويقرّب من هجره ، ويعفو عمن ظلمه ، ويحسن إلى من أساء إليه ، ويذكر بالحسن من اغتابه وآذاه باللسان ، ويتفقّد من نسيه ، وينصر من خذله ، إلى غير ذلك من انحاء مجازاة الإساءة بالإحسان . وهذا هو الّذي حثّ عليه الشّارع المقدس ببيانات مختلفة وتأكيدات بليغة لا تحصى ، وبهذا العمل يجتمع الشّمل المبدد ، والنظام المختل ، وبحسن هذا الصنيع ترتفع البغضاء ، وترجع العداوة إلى الصّداقة ، والمنافرة إلى المؤانسة والعلاقة ، ويجتثّ أصل الحقد ، ويستأصل بذر الغلّ ، كما قال اللّه تبارك وتعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ إذ النفوس غالبا مجبولة على المقابلة بالمثل ، وجزاء الإحسان بالإحسان ، ومكافاة الإساءة باضعافها من الشرارة والطغيان . وأنشد الإمام الصادق عليه السّلام : « تنحّ عن القبيح فلا ترده . ثمّ قال لابنه الإمام الكاظم عليه السّلام وهو صبي : يا بني تمّمه ، فأتمه الإمام الكاظم عليه السّلام بقوله : ومن أوليته حسنا فزده . ثمّ قال الإمام الصادق عليه السّلام : ستلقى من عدوك كل كيد . فأجابه الإمام الكاظم عليه السّلام بقوله : إذا كاد العدو فلا تكده » . وروى الشّيخ الصّدوق طاب ثراه مسندا في كتاب عيون أخبار الرّضا كلاما طويلا من أسئلة المأمون عن الإمام الرّضا عليه السّلام ، منها : أنّه قال للإمام الرّضا عليه السّلام : « أنشدني أحسن ما رويته في استجلاب العدوّ حتّى يكون صديقا ، فقال ، الرّضا عليه السّلام : وذي غلّة سالمته فقهرته * فأوقرته منّي لعفو التّجمل ومن لا يدافع سيّئات عدوّه * بإحسانه لم يأخذ الطول من عل ولم أر في الأشياء أسرع مهلكا * لغمر قديم من وداد معجّل فقال المأمون : ما أحسن هذا ، هذا من قاله ؟ فقال عليه السّلام : بعض فتياننا . . . » . وروى الشّيخ الطوسي رحمه اللّه في الحديث 22 ، من المجلس من أماليه ، مسندا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « إيّاكم ومشاجرة النّاس ، فإنّها تظهر الغرّة ، وتدفن العزة » .