الشيخ المحمودي
53
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
لا يلائم النّفس ، وهذا المعنى لا يكون مقطوعا به للمكلف إلّا إذا أتى بالواجبات وترك المحرمات . وقال العلامة قدّس سره : « التّقوى في اللغة ، فرط الصيانة ، وفي العرف هي صيانة النّفس عمّا يضرّها في الآخرة ، وقصرها على ما ينفعها فيها ، ولها ثلاث مراتب : الأولى : وقاية النّفس من العذاب المخلّد بتصحيح العقائد الإيمانية . والثانية : الاجتناب عن كلّ ما يؤثم من فعل أو ترك ، وهو المعروف عند الشّرع . والثالثة : التّوقي عن كل ما يشغل القلب عن الحقّ ، وهذه درجة الخواص ، بل خاص الخاص » . أقول : ولعل هذه المرتبة مراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم من قوله : « لا يبلغ العبد حقيقة التّقوى حتّى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس » . وكذلك مقصود أمير المؤمنين عليه السّلام هي المرتبة الثالثة من قوله عليه السّلام حينما سئل عن التّقوى ، فقال عليه السّلام ما معناه : المتّقي هو الذي لو وضع عمله على طبق مكشوف ، ويدور به على العالمين ، لم يكن فيه ما يستخفي به ، ويستحيي منه « 1 » . وأيضا الظاهر إنّ هذه المرتبة هي الّتي أرادها الإمام الصّادق عليه السّلام لمّا سئل عن التّقوى فقال : « أن لا يفقدك حيث أمرك ، ولا يراك حيث نهاك » « 2 » . وسئل بعض السّالكين عن التّقوى ، فقال : هل دخلتم أرضا فيها شوك ؟
--> ( 1 ) رواه جمال المفسرين أبو الفتوح الرازي رحمه اللّه بالفارسية في تفسير قوله تعالى : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ . ( 2 ) ويمكن إرجاع هذا إلى ما ذكرناه أولا ، من أنّه أوّل المراتب الّتي تنعقد وتتحقق بها ومعها العدالة ، من أنّه إتيان ما أوجب اللّه عليه ، وترك ما حرّم اللّه عليه .