الشيخ المحمودي
366
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
وإفاضة من اللّه تبارك وتعالى . والمعنى الّذي يصحّ أن يحمل الكلام عليه : هو أن يراد من الكلام : أني مرارا وفي كثير من الأوقات أردت أن أخبركم بمكنون أمري وما لاقيته وسألاقيه من الفتن الحاجزة بيني وبين وصولي إلى حقّي وتسنّمي منصبي الخلافة ، فأبى اللّه إلّا إخفاءه عنكم ، لأنّه علم مكنون لا يمسّه إلّا المطهّرون ممّن لم ينقدح الشك في قلوبهم ، ولأنّي لو أخبرتكم لتضعضعتم ووهنتم عن جهاد أعدائي معي وهم أعداء اللّه - الجهاد الّذي غايته العظمى إعلام المجتمع البشري وإلفات أنظار العقلاء إلى أنّي ومن تبعني بواد ، وعدوّي ومن تبعه ومن أسّس أساسه بواد آخر . فعلى هذا يكون هذا الكلام مثل قوله عليه السّلام في المختار ( ه ) من خطب نهج البلاغة : « بل اندمجت على مكنون أمر لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطّوي البعيدة » فالمراد من إباء اللّه إلّا اخفاء الأمر ، إخفاؤه على أصحابه عليه السّلام لا إخفاؤه عليه . ويصح أيضا أن يريد عليه السّلام من قوله : « كم اطردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر . . . » . الشهادة في سبيل اللّه ، والفوز بلقاء اللّه ، ومرافقة الصديقين والشهداء والصالحين ، لأنّه عليه السّلام كان آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه ، وكان مشتاقا إلى لقاء ربّه ، فيرجع معنى الكلام إلى أنّه عليه السّلام لفرط اشتياقه الشهادة كان يطلبها في كلّ يوم فإذا لم ينلها فيه يستقبل يوما آخر ، ويتمنّى الشهادة والقتل في سبيل اللّه فيه ، وهكذا حتّى وقع المقدور ، ومعنى قوله : « فأبى اللّه إلّا إخفاءه » أي أبى اللّه إظهاره بوقوعه قبل وقته المقدّر له ، بل أخفاه بإبقائه إلى الزمان الّذي قدّر وقوعه فيه ولهذا الاحتمال شواهد . منها : أنّه عليه السّلام بكى يوم استشهد حمزة وبعض أهل بيته ، فسأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن سبب بكائه ، فقال : يا رسول اللّه لأني لم أفز بالشهادة كما فازوا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : لا تبك فإنّ الشهادة من ورائك ، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا بدم ؟ وأشار صلّى اللّه