الشيخ المحمودي

323

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

الحمد للّه حقّ قدره متّبعين أمره « 1 » وأحمده كما أحبّ ، ولا إله إلّا اللّه الواحد الأحد الصّمد كما انتسب « 2 » ، أيّها النّاس كلّ امرئ لاق في فراره ما منه يفرّ « 3 » ، والأجل مساق النّفس إليه ، والهرب منه موافاته « 4 » ، كم أطردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر ، فأبى اللّه عزّ ذكره إلّا إخفاءه « 5 » هيهات علم مكنون « 6 » أمّا وصيّتي ! فأن لا تشركوا باللّه جلّ ثناؤه شيئا ، ومحمّدا

--> ( 1 ) قوله عليه السّلام « حق قدره » أي حمدا يكون حسب قدره ، وكما هو أهله . وقوله عليه السّلام : « متّبعين » حال عن فاعل الحمد ، لأنّه في قوة نحمد اللّه . ( 2 ) أي كما نسب نفسه المقدّسة إلى الوحدانية والصمدانية ، في سورة التوحيد المعروفة ( في الرّوايات ) بنسبة الربّ . ( 3 ) أي كلّ أحد يلاقي في قراره ما يفرّ منه من الأمور المقدرة الحتمية كالموت ، قال اللّه تعالى : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ وإنّما قال عليه السّلام « في فراره » لأنّ كلّ أحد يفرّ دائما من الموت . ( 4 ) والمساق مصدر ميمي ، وليست فيما اختاره السيد رحمه اللّه في نهج البلاغة كلمة : « إليه » ، فيحتمل أن يكون المراد بالأجل منتهى العمر ، والمساق ما يساق إليه ، ويحتمل أن يكون المراد به المدّة ، فالمساق زمان السّوق . وقوله عليه السّلام : « والهرب منه موافاته » من حمل اللازم على الملزوم ، فإنّ الإنسان ما دام يهرب من موته بحركات وتصرفات يفني عمره فيها فكان الهرب منه موافاته ، والمعنى أنّه إذا قدّر زوال عمر أو دولة فكلّ ما يدبّره الإنسان لدفع ما يهرب منه يصير سببا لحصوله . ( 5 ) قال العلامة المجلسي رحمه اللّه : يحتمل أن يكون الاطراد بمعنى الطرد والجمع ، أو الأمر به مجازا ، ويمكن أن يقرأ « اطردت » على صيغة الغائب بتشديد اللام ، فالأيّام فاعلة ، قال أكثر شرّاح النّهج : كأنّه عليه السّلام جعل الأيّام أشخاصا يأمر بإخراجهم وإبعادهم عنه ، أي ما زلت أبحث عن كيفية قتلي يوما فيوما فإذا لم أجده في يوم طردته واستقبلت يوما آخر ، وهكذا حتّى وقع المقدور ، وللكلام بقية تجيء في البحث المذهبي ، فانتظر . ( 6 ) أي بعد اطلاع غير المؤتمنين على الأسرار عليه ، لأنّه من علم اللّه المكنون ولا يمسّه إلّا المطهّرون المأمونون على الأسرار والغيوب ، واللّه العالم بالغيب لا يظهر على غيبه أحدا إلّا من ارتضى من رسول والرّسول المرتضى لا يودع أسرار الملك العلام إلّا عند مدينة علمه وخليفته .