الشيخ المحمودي

29

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

ولكن هل يجوز في أمثال زماننا هذا ، أخذ العلم وتحمله من كل متلبس بالعلم وموصوف بالفقه ، ولو لم يكن علمه مأخوذا من الكتاب والسّنة بل كان مصدر فتياه القياس أو الرمل والإسطرلاب أو الاستخارة مثلا ، أو كان علمه متخذا من الكتاب والسّنة ، ولكن يكون منحرفا عقيدة أو عملا أو تراكمت عليه ظلمات بعضها فوق بعض ؟ وببيان آخر : هل يجوز اتباع كل عالم بالعلوم الشّرعية ، وتصديقه بأن ما يقول هو حكم اللّه ؟ وهل يجوز التحمل عنه والنقل عنه لغيره ولو لم يكن هذا العالم المأخوذ منه عادلا عاملا بالواجبات ، وتاركا للمحرمات ، أو لو لم يكن علمه مأخوذا من الكتاب والسّنة ؟ أم جواز الأخذ والرّواية ، والتصديق منوط وموقوف على أن يكون علم المفتي مأخوذا من الكتاب الكريم ، والسّنة الصحيحة ، ومشروطا أيضا بصحة عقيدة المفتي ، وكونه عاملا بعلمه المعبّر عنه بالعدالة ؟ قلت : أمّا تحمّل العلم - بمعنى تصديق العالم فيما يخبر عن اللّه - فلا يجوز إلّا إذا كان العالم والمفتي من أهل الحقّ ، وكان مخالفا لهواه ، ومطيعا لأمر مولاه ، وكان علمه مأخوذا من الكتاب والسّنة المعتبرة ، وأمّا تحمل العلم - بمعنى التعلم على العالم بالعلوم الشّرعية الاعتقادية والعملية ، والتّلمذ له ثم النقل إليه - فإن كان المتعلم قاصرا عن تشخيص الحقّ من الباطل ، والغث من السّمين ، عاجزا عن معرفة الصّدق والصّواب ، فلا يجوز له تعلّم المسائل الاعتقادية أو العلمية ، ولا النّقل من غير أهل الحقّ ممن كان له انحراف اعتقادي أو عملي ، لأنه لا يأمن الضّلال والهلاك ، وأمّا لو كان المتعلّم راسخ القدم في العقائد ، ثابت الأركان في عبادة اللّه ، وبيده معرفة الحقّ والباطل ، وله حذاقة في خصوصيّات الشّريعة بحيث لا تحركه العواصف ولا تكسره القواصف ، فيجوز له التّعلم من غير صحيح الطّريقة اعتقادا وعملا ، حيث إنّه مأمون من الضّرر ، محفوظ من توجه الخطر ، وكذا يجوز له أن ينقل عنه إلى غيره ، ويروي عنه إذا لم يوجب التباس الحقّ بالباطل ، وإضلال عباد اللّه ، والقسمان الأخيران وهما عدم جواز التّلمذ