الشيخ المحمودي
258
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
عدو صديقك صديقا ، فتعادي صديقك ، . . . » . واعلم أنّ لكلّ شيء آثارا وخواص في دار الوجود ، تكوينا أو اعتبارا وتشريعا ، وهذه الآثار والخواص إذا قسناها إلى شيء آخر أو آثاره ولوازمه ، قد يكونان متلائمين - على اختلاف أقسامه - وقد يكونان متعاندين ، غير متوافقين . ومن جملة الموجودات الصداقة والمحابة والموادة بين الشخصين ، ولها لوازم وثمرات وآثار بحسب التكوين والعقل والمعتاد بين ذوي العقول ، وهكذا بحسب الشرائع . فمن جملة آثار الصداقة : إختيار هوى الصديق على هوى نفسه وغيره ، « 1 » والفرح لفرحه ، والحزن لحزنه ، ومواساته في البأساء والضرّاء ، وتفقّده عند غيبته ، ومراودته والمعاشرة معه بالجميل عند حضوره ، وموالاة وليّه ، ومعاداة عدوّه ، وستر ما يشينه ، ونشر ما يزينه ، إلى غير ذلك ممّا هو مركوز في فطرة جميع ذوي الحسّ والعقل ، من أي صنف وقطر وسلالة ، فانّك إذا تأملت تجد جميع الأمم ذوات الشرائع وغيرهم ، يحنون إلى صديقهم ، ويفرون وينفرون من مبغضيهم ، بحسب طبعهم وفطرتهم ، ولم ير ولم يسمع - ولن يرى ولن يسمع - أن أحدا رتب آثار الصداقة - من بذل النّفس والمال ، واختيار هوى الحبيب والصديق على هوى شخصه - على عدوّه . وكذلك العكس : لم يعهد من فرد من ذوي العقول أن يعامل صديقه معاملة العدو ، بأن يسبه ويضربه عند الحضور ، ويغتابه ويسيّىء القول فيه عند غيبته ، ويفرح عند حزنه ، ويحزن عند مسرّته ، ويساعد أعداءه على استئصاله ، أو يسعى في سبيل مرضاة عدوّه ، أو تنغيص عيش صديقه وحبيبه ، وهذا أمر ارتكازي - حتّى عند الحيوانات - غير محتاج إلى إقامة الشواهد ، إلّا أنا نذكر بعض الشواهد ، لتنبيه الغافل ، ولإلزام
--> ( 1 ) لبعضهم : أريد وصاله ويريد هجري * فأترك ما أريد لما يريد