الشيخ المحمودي
179
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
مواقع الخطأ ، ومن تورّط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرّض لمفظعات النّوائب « 1 » والتدبير قبل العمل يؤمنك من النّدم « 2 » والعاقل من وعظته التّجارب وفي التّجارب علم مستأنف « 3 » وفي تقلّب الأحوال علم جواهر الرّجال ، الأيام وتهتك لك عن السّرائر الكامنة « 4 » ، تفهّم
--> ( 1 ) قال الفيض رحمه اللّه : المفظعات : المصائب الشديدة الشناعة . وبالقاف والطاء المهملة ، أي اللازمة كالجبّة اللاصقة بالبدن . ( 2 ) من قوله عليه السّلام : قد خاطر بنفسه - إلى قوله : والتّدبير قبل العمل يؤمنك من الندم - حثّ وترغيب منه عليه السّلام ، على المشاورة في كل أمر لم يتبين غيّه من رشده ، ونفعه من ضرره ، وتبيين منه عليه السّلام على أنّ في التّشاور في كل ما ينبغي التّشاور فيه ، فائدة لا تزال النفوس تشتاق إليها وترغب فيها ، وأنّ في الاستبداد بالرأي وترك المشاورة والتدبير مفسدة قد جبلت نفوس ذوي الأرواح من الهرب عنها ، والفرار منها ، فكشف عليه السّلام بقوله : « قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه » وبقوله : ومن تورط في الأمور . . . - أي من دخل فيها بلا رؤية ومشورة - إنّ المستبد بالرأي وتارك التّدبير والاحتياط لا يكون واثقا من النجاح ، ولم يأمن من الفظيعة والفضيحة . وصرح بقوله عليه السّلام : من استقبل وجوه الآراء ، الخ . وبقوله التّدبير قبل العمل . . . - إلى إنّ صاحب المشورة قد يبين له الصواب من الخطأ ، والنفع من الخسارة ، فهو مقدم على الأمر عن بصيرة ، فقلبه مطمئن بالربح ، وباله مأمون من الندم ، وماله محفوظ من التّلف . ( 3 ) وقال السبط الشهيد الإمام الحسين عليه السّلام : « دراسة العلم لقاح المعرفة ، وطول التّجارب زيادة في العقل ، والشرف التّقوى ، والقنوع راحة الأبدان ، ومن أحبك نهاك ، ومن أبغضك أغراك » . البحار : ج 17 ، ص 151 . وقال سحبان بن وائل : « العقل بالتجارب ، لأنّ عقل الغريزة سلم إلى عقل التّجربة » . وقال أفلاطون : « إذا لم تعظك التّجربة فلم تجرب بل أنت ساذج كما كنت » . وقال المتكلمون : « العقل نوعان : غريزي ومكتسب ، فالغريزي العلوم البديهية ، والمكتسب ما أفادته التّجربة » . ( 4 ) الجملة الثانية كالتأكيد للأولى ، أي إنّ في اختلاف الحالات كالقدرة بعد الضعف ، والغنى بعد الفقر ، والغضب بعد الرّضا ، والتّعب بعد الراحة ، والسفر بعد الحضر ، يعرف ما في كمون الرجال ونفسياتهم ، ولمّا كان هذا متوقفا على طروء الحالات المختلفة ، المتوقفة على مضي الأيام ، فالأيام هي الكاشفة للضمائر ، الهاتكة لستور السرائر الكامنة في النفوس ، المخبوءة في الصدور .