الشيخ المحمودي

11

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

قد خضعت له رقاب الصّعاب في محلّ تخوم قرارها ، وأذعنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها « 1 » . مستشهد بكلّيّة الأجناس على ربوبيّته « 2 » ، وبعجزها على قدرته ، وبفطورها على قدمته « 3 » ، وبزوالها على بقائه ، فلا لها محيص عن إدراكه ، ولا خروج عن إحاطته بها ، ولا احتجاب عن إحصائه لها ، ولا امتناع من قدرته عليها . كفى بإتقان الصّنع آية ، وبتركيب الطّبع عليه دلالة ، وبحدوث الفطر عليه قدمة ، وبإحكام الصّنعة عليه عبرة ، فليس إليه حدّ منسوب ، ولا له مثل مضروب ، تعالى عن ضرب الأمثال له والصّفات المخلوقة علوّا كبيرا . وسبحان اللّه الّذي خلق الدّنيا للفناء والبيود « 4 » والآخرة للبقاء والخلود ، وسبحان اللّه الّذي لا ينقصه ما أعطى فأسنى ، وإن جاز المدى في المنى ، وبلغ الغاية القصوى ، ولا يجور في حكمه إذا قضى . وسبحان اللّه

--> ( 1 ) « الرواصن » جمع راصن ، وهو الشيء المتقن . والظاهر أن المراد من « الأسباب » هنا الجبال و « شواهق » جمع شاهق ، وهو الجبل المرتفع ، أو مطلق ما له ارتفاع وعلو . و « الأقطار » جمع قطر ، وهو جانب الشيء ، أي إن شواهق الجبال المرتفعة المستحكمة خاضعة للّه تعالى ناطقة باحتياجها وافتقارها إلى عظيم مقامه ورفيع سماحه . ( 2 ) إذ كل جنس زوج تركيبي ، والزوج يحتاج إلى المزوّج ، والتركيب محتاج إلى المؤلّف والمركّب . ( 3 ) « الفطور » بمعنى الاختراع ، وشق الشيء من العدم إلى الوجود ، وهي جمع الفطر - كفلس - أو الفطرة - كإربة - . و « القدمة » - كحرمة وعمرة - : السابقة والتقدم في الأمر ، ويجوز أيضا أن يكون بكسر أولها ، على أن تكون مؤنث قدم - كحبر - وهو الزمان القديم ، يقال : « كان كذا قدما » أي في الزمان القديم . ( 4 ) يقال : باد ( من باب باع ) بيدا وبيادا وبيودا وبيدودة - كبيت وبيات وبيوت وبيتوتة - أي هلك وباد .