الشيخ المحمودي
6
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
وجدتك كلّي ، حتّى كأنّ شيئا لو أصابك لأصابني ، وحتّى كأنّ الموت لو أتاك أتاني ، فعند ذلك عناني من أمرك ما عناني من أمر نفسي « 2 » ، كتبت إليك كتابي هذا يا بنيّ مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت . فإنّي موصيك بتقوى اللّه ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام ، بحبله ، فإنّ اللّه تعالى يقول : « وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً » [ 102 آل عمران ] ، وأيّ سبب يا بنيّ أوثق من سبب بينك وبين اللّه تعالى إن أنت أخذت به ، أحي قلبك بالموعظة ، ونوّره بالحكمة ، وأمته بالزّهد ، وذلّله بالموت ، وقوّه بالغنى عن النّاس ، وحذّره صولة الدّهر وتقلّب الأيّام وَاللّيالي ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر ما فعلوا وأين حلّوا ، فإنّك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ، ونزلوا دار الغربة ، وكأنّك عن قليل يا بنيّ قد صرت كأحدهم ، فبع دنياك بآخرتك ولا تبع آخرتك بدنياك ، ودع القول فيما لا تعرف ، والأمر فيما لا تكلّف ، وأمر بالمعروف بيدك ولسانك ، وانه عن المنكر بيدك ولسانك ، وباين من فعله ، وخض الغمرات إلى الحقّ ولا يأخذك في اللّه لومة لائم ، واحفظ وصيّتي ولا تذهب عنك صفحا ، فلا خير في علم لا ينفع ، واعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة ، ومشقّة شديدة ، وأنّه لا غنى بك عن حسن الارتياد ، مع بلاغك من الزّاد ، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحمل عنك زادك فيوافيك
--> ( 2 ) يقال : « عناه الأمر يعنوه عناء وعنوا » : أهمه . والمصدر على زنة « العطاء والعتو » . والفعل واوي من باب « دعا » .