الشيخ المحمودي
626
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
والحمد للّه الكائن قبل أن يكون كرسيّ أو عرش أو سماء أو أرض أو جانّ أو إنس . لا يدرك بوهم ولا يقدّر بفهم ، ولا يشغله سائل ولا ينقصه نائل « 10 » . لا ينظر بعين ولا يحدّ بأين ، ولا يوصف بالأزواج ، ولا يخلق بعلاج ، ولا يدرك بالحواس ولا يقاس بالنّاس « 11 » ، الّذي كلّم موسى تكليما وأراه من آياته عظيما ، بلا جوارح ولا أدوات ، ولا نطق ولا لهوات « 12 » . بل إن كنت صادقا أيّها المتكلّف لوصف ربّك فصف جبريل وميكائيل وجنود الملائكة المقرّبين ، في حجرات القدس مرجحنّين « 13 » متولّهة عقولهم أن يحدّوا أحسن الخالقين ! فإنّما يدرك بالصّفات ذوو الهيئة والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفناء . فلا إله إلّا هو ، أضاء بنوره كلّ ظلام ، وأظلم بظلمته كلّ نور ؟ ! « 14 » .
--> ( 10 ) الوهم هاهنا : التفكر والتوهم . ولا يقدّر : لا يحدّ . ولا يشغله سائل : لأنه محيط بجميع الأشياء لا يخرج عن علمه شيء . النائل : العطاء والنوال ، وإنما لا ينقصه نائل لأن كلّ شيء منقاد لإرادته وقدرته النافذتين وإذا أراد شيئا يقول له كن فيكون . ( 11 ) الأين : المكان . وإن قرئ ( ينظر ) معلوما فمعناه أن رؤيته تعالى للأشياء ليس بوسيلة العين ، وإن قرئ مجهولا فمفاده : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) . والأزواج : الأمثال والقرناء . والعلاج : صنع الشيء بمزاولة الأدوات . ولا يدرك بالحواس لأنه تعالى مجرّد غير محدود ، والحواس لا تدرك المجردات . ( 12 ) اللّهوات : جمع لهاة : اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى الفم . ( 13 ) المتكلّف : شديد التعرض لما لا يعنيه . والحجرات جمع حجرة : الغرفة . والمرجحنّ كالمقشعر : المائل إلى السفل لثقله ، المتحرك يمينا وشمالا ، يقال : ارجحنّ الحجر - على زنة اطمأنّ - مال هاويا . ومتولّهة : حائرة أو متخوفة . ( 14 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد . وتعليقات الشيخ محمّد عبده ط مصر ، والمستفاد من شرح كمال الدّين البحراني ج 3 ص 389 ط طهران : ( وأظلم بنوره كل نور ) وهو الظاهر . ولا بدّ هاهنا من التنبيه على أمر وهو أن ناشر الطبعة الحديثة بطهران ( شرح البحراني على نهج البلاغة ) أخذ متن الشرح من نهج البلاغة المطبوع بمصر بتعليق الشيخ محمّد عبده بسبب إناقة خطه على ما صرح لي بذلك الناشر شفاها ، وترك متن نسخته التي شرح عليها ابن ميثم ومن أجله حصل التغاير بين الشرح والمتن .