الشيخ المحمودي

279

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

نفيا لقول من قال : إنّ الأشياء محدثة بعضها من بعض . وإبطالا لقول الثنوية الذين زعموا أنّه لا يحدث شيئا إلّا من أصل ولا يدبّر إلّا باحتذاء مثال ! فدفع عليه السّلام بقوله : « لا من شيء خلق ما كان » جميع حجج الثنوية وشبههم لأنّ أكثر ما [ يعتمد [ ه ] ] الثنوية « 26 » في حدوث العالم أن يقولوا : لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شيء أو من لا شيء . فقولهم : « من شيء » خطأ ، وقولهم « من لا شيء » مناقضة وإحالة لأنّ « من » توجب شيئا ، و « لا شيء » تنفيه فأخرج أمير المؤمنين عليه السّلام هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ وأصحّها فقال : « لا من شيء خلق ما كان » فنفى « من » إذ كانت توجب شيئا ، ونفى الشيء إذا كان مخلوقا محدثا لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية : أنّه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلّا باحتذاء مثال . ثمّ قوله عليه السّلام : « ليست له صفة تنال ، ولا حدّ له تضرب فيه الأمثال ، كلّ دون صفاته تحبير اللغات » . فنفى عليه السّلام أقاويل المشبهة حين شبهوه بالسبيكة والبلورة وغير ذلك من أقاويلهم من الطول والاستواء وقولهم : « متى ما لم تعقد القلوب منه على كيفية ولم ترجع إلى إثبات هيئة لم تعقل شيئا ، فلم تثبت صانعا » . ففسّر أمير المؤمنين عليه السّلام أنه واحد بلا كيفية ، وأنّ القلوب تعرفه بلا تصوير ولا إحاطة . ثمّ قوله عليه السّلام : « الذي لا يبلغه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، وتعالى الذي ليس له وقت معدود ، ولا أجل ممدود ، ولا نعت محدود » . ثمّ قوله عليه السّلام : « لم يحلل في الأشياء فيقال : هو فيها كائن ، ولم ينأ

--> ( 26 ) قال المجلسي رفع اللّه مقامه في كتاب مرآة العقول : لعلّ المراد بالثنوية غير المصطلح من القائلين بالنور والظلمة ، بل المراد القائلين بالقدم وأنّه لا يوجد شيء إلّا عن مادة ، لأنّ قولهم بمادة قديمة إثبات لإله آخر إذ لا يعقل التأثير في القديم .