الشيخ المحمودي

227

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

الحمد للّه الّذي جعل الأرض كفاتا « 13 » أحياء وأمواتا ، الحمد للّه الّذي جعل منها خلقنا وفيها يعيدنا ، وعليها يحشرنا . طوبى لمن ذكر المعاد ، وعمل للحساب ، وقنع بالكفاف ، ورضي عن اللّه بذلك « 14 » . ثمّ أقبل [ عليه السّلام ] حتّى دخل سكّة الثوريين فقال : خشّوا بين هذه الأبيات « 15 » . قال نصر ، عن عمر [ بن سعد الأسدي ] قال : حدّثني عبد اللّه بن عاصم الفائشي ، قال : لمّا مرّ عليّ بالثّوريين - يعني ثور همدان - سمع البكاء ، فقال : ما هذه الأصوات ؟ قيل : هذا البكاء على من قتل بصفّين . فقال : أما إنّي أشهد لمن قتل منهم صابرا محتسبا بالشّهادة . ثمّ مرّ بالفائشيين فسمع الأصوات فقال : مثل ذلك ، ثمّ مرّ بالشبّاميين فسمع رنّة شديدة وصوتا مرتفعا عاليا ، فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبّامي « 16 » ، فقال عليّ : أيغلبكم نساؤكم ؟ ألا تنهونهنّ عن هذا الصياح والرّنين ؟ قال : يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا على ذلك ولكن من هذا الحيّ ثمانون ومائة قتيل ، فليس من دار إلّا وفيها بكاء ، أمّا نحن معشر الرّجال فإنّا لا نبكي ، ولكن نفرح لهم بالشهادة .

--> ( 13 ) الكفات - بالكسر - : الموضع الذي يضم فيه الشيء ، ومنه قوله تعالى في الآية : ( 25 ) من سورة المرسلات : 77 : « أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً » . ( 14 ) وهذا الذيل رواه السيّد الرضي - رفع اللّه مقامه - في المختار : ( 44 ) من قصار نهج البلاغة . ( 15 ) يقال : « خشّ زيد بين القوم وفيهم - من باب مدّ - خشّا وانخشّ فيهم » : دخل وغاب ومضى فيهم . ( 16 ) الشبّامي منسوب إلى شبام - كعصام بالكسر - : حيّ من همدان .