السيد مهدي الرجائي الموسوي

573

الأدباء من آل أبي طالب ( ع )

وكانت هذه عادة جارية في حديثه . وكان عالماً مجتهداً بحراً في علوم الحديث ، حافظاً جائلًا في صهوة التاريخ إماماً في الفرعيات قد انتقشت أصناف العلوم في حافظته انتقاش الخمسة الأشباح في الجنان الفساح . وأخذ الطبّ عن الحكيم محمّد بن صالح وأجاز له ، ورأيت الإجازة بخطّه . وأخبرني الفقيه الأديب أحمد بن محمّد الظبوي أحد أصحابه : أنّه حجّ معه في بعض السنين ، فجاءه جماعة من أكابر علماء مصر فذاكروه في أنواع العلوم ، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ، وأخذوا بعد ذلك يكتبون بل ينضّدون تلك اللآلي التي نثرها عليهم ، فسأله رجل منهم ينتسب إلى الحافظ أحمد بن حجر الهيثمي عن مسألة فأجابه ، فأنكر أن يكون أحد من العلماء أجاب بجوابه فيها ، فقال : إنّ جدّك الحافظ ذكر في كتابه الفلاني وهو عندي بصنعاء . فقال الشهابي : هذا الكتاب طالعته مرّات فلم أر ما ذكرت ، ثمّ أمر عبده فجاء بالكتاب ففتح والدي على المطلوب وأراه ذلك الفاضل ، فأقسم باللَّه أنّه يطالع الكتاب عمره ولم يقف على ذلك المطلب يومئذ ، وصغرت أنفس القوم عندهم ، وبلغ الشريف زيد بن الحسن فسرّه ذلك . ولم تكن همّته في غير العلم والعناية به ، ولا يشغفه الحور والبياض والسواد إلّا من خطوط الأوراق . وكان يبالغ في طلب الكتب ويأخذها بأضعاف الأثمان ، وجمع منها النفائس في كلّ فنّ ، ويحمل أكثرها في أسفاره . وكان كثير الأسفار وحجّ عدّة مرّات ، وزار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مراراً ، وهمّ في أكثر حجّاته بالسفر إلى الكوفة وزيارة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، لا سيّما آخر حجّة حجّها ، وكان عظيم الجاه كبير المنزلة عند المتوكّل ، وفد إليه مرّة فبقي عنده نحو السنة في أعزّ منزل ، وكان يحضر مجالس علمه ، ونظم له رجزاً بيّن فيه عقيدة المتوكّل وشرحه أيّام مقامه لديه ، وفي آخر أيّام المتوكّل كان في نفسه أشياء . واتّفق أيّام مقامه بصعدة خلاف علي بن أحمد على المتوكّل بسبب أنّه ولّى بلاده ابنه الحسن بن المتوكّل ، ومرض المتوكّل مرض الموت وأرسل العساكر إلى صعدة في حال مرضه ، ثمّ توفّي المتوكّل قبل نفوذ الجيوش ، وقد انهزم ولده الحسن من صعدة إلى تهامة ، ودعا الناس إلى إمامة نفسه أحمد بن الحسن وتلقّب بالمهدي ، وطلب ذلك الأمير غيره ،