السيد حسن الصدر الكاظمي

53

نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين

فصرنا إليه آخر النهار وهو جالس ينتظرنا ، فقال : صيحوا بفلان وفلان من الفعلة ، فجاءه رجلان معهما آلتهما ، فالتفت إلينا ، فقال : اجتمعوا كلّكم فاركبوا في وقتكم هذا ، وخذوا معكم الجمل ، يعني غلاماً كان له أسود يعرف بالجمل ، وكان لو حمل هذا الغلام على سكر دجلة لسكّرها من شدّته وبأسه ، وامضوا إلى هذا القبر الذي قد افتتن به الناس ، ويقولون : إنّه قبر علي حتّى تنبشونه وتجيؤوني بأقصى ما فيه . فمضينا إلى الموضع ، فقلنا : دونكم وما أمر به ، فحفر الحفّارون وهم يقولون : لا حول ولا قوّة إلّا باللَّه في أنفسهم ، ونحن في ناحية حتّى نزلوا خمسة أذرع ، فلمّا بلغوا إلى الصلابة ، قال الحفّارون : قد بلغنا إلى موضع صلب وليس نقوي بنقره ، فأنزلوا الحبشي ، فأخذ المنقار فضرب ضربة ، فسمعنا لها طنيناً شديداً في البرّ ، ثمّ ضرب ثانية ، فسمعنا طنيناً أشدّ من ذلك ، ثمّ ضرب الثالثة ، فسمعنا أشدّ ممّا تقدّم ، ثمّ صاح الغلام صيحة . فقمنا فأشرفنا عليه وقلنا للذين كانوا معه : إسألوه ما باله ، فلم يجبهم وهو يستغيث ، فشدّوه وأخرجوه بالحبل ، فإذا على يده من أطراف أصابعه إلى مرفقه دم وهو يستغيث ، لا يكلّمنا ولا يحير جواباً ، فحملناه على البغل ورجعنا طائرين ، ولم يزل لحم الغلام ينثر من عضده وجنبيه وسائر شقّه الأيمن حتّى انتهينا إلى عمّي ، فقال : أيّ شيء وراءكم ؟ فقلنا : ما ترى ، وحدّثناه بالصورة . فالتفت إلى القبلة ، فتاب عمّا هو عليه ، ورجع عن المذهب ، فتولّى وتبرّأ ، وركب بعد ذلك في الليل إلى علي بن مصعب بن جابر ، فسأله أن يعمل على القبر صندوقاً ، ولم يخبره بشيء ممّا جرى ، ووجّه من طمّ الموضع ، وعمّر الصندوق عليه ، ومات الغلام الأسود من وقته .