السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي
64
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية
والفتن ، بينه وبين عمّه الذي طوّقه أطواق المنن ، إذ يسمعه من الكلام ما يعدّ من أعظم أنواع الكلام ، فلم يزل يتلقّى ذلك باذن صمّا ، ويكابد همّا وغمّا ، وينشد لسان حاله ، في حلّه وترحاله : اعلّمه الرماية كلّ يوم * فلمّا اشتدّ ساعده رماني وكم علّمته نظم القواني * فلمّا قال قافية هجاني إلّا أنّه قد عزم وصمّم ، وأضمر وما تكلّم ، على رفعه من منصبه ومكانه ، وإزالة ملكه وسلطانه ، إلّا أنّه يحاول انتهاز الفرصة عليه ، ليسوق أنواع البلاء إليه ، وذاك مستقرّ الفكرة ، مستمرّ السكرة ، قد أتقن سحره ، وهو مقيم بأعالي نجدة « 1 » . فصار في أثناء ذلك ، حادث لم يصر لأحد من ملوك تلك الممالك ، وهو أنّه قطع على عساكره مقرّراتهم المألوفة ، ومشاهراتهم المعروفة ، وأتبع ذلك بالإهانة ، حتّى كره كلّ منهم وقته وزمانه ، فأجمعت آراؤهم السديدة ، وأفكارهم الرشيدة ، على فراقه وهجره ، والصبر على حلوّ البلاء ومرّه ، والعزم على الارتحال ، وترك الخدمة على كلّ حال ، وتعاهدوا بينهم على أنّ من رجع عن هذه النيّة ، فهو طعام للمنيّة . فشبت بينهم النار ، وتفرّقوا في تلك الهامة والقفار ، وقصدوا السيّد عبد المحسن ، ليتصدّق عليهم بما يقيم أودهم ويحسن ، فوفدوا جميعا عليه ، وطرحوا نفائس أرواحهم لديه ، فأكرمهم وأمر لهم بالهباء السنيّة ، وهو في منزله المعروف بالحسينيّة ، ثمّ حزمهم حزما ثاني ، غير عاقد لعنان العزيمة ولا ثاني ، والذي يظهره للخاصّ والعامّ ، أنّ هذا الاجتهاد في حال العساكر إنّما هو خدمة لذلك المقام ، فهيّأ لهم المنازل ، وأجرى عليهم برّه المتواصل ، وهم لا يزالون إلى زيادة ، إذ قد شملتهم
--> ( 1 ) في « ن » : نحره .