السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي

375

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية

مفتي مكّة المشرّفة حالا ، زاده اللّه تعالى علما وإجلالا ، لتلقّي الوافدين من الأعيان الأجلّة ، والوجوه التي هي أبهى من الأهلّة . فأقبلت الخلق أفواجا بعد أفواج متباركة حضرة الخطيب ، وهو في تمام السرور والابتهاج ، فانتظمت الأندية ، وأفيضت الملابيس ، والمجالس غاصّة بكلّ عظيم رئيس ، وهو أدام اللّه إقباله ، وأيّد سعده وإجلاله ، يستقبل الناس ويشايعهم ، ويلاطفهم ويمازجهم ، بوجه منطلق ، ولسان ذلق ، ويأمر بإعطاء أهل العوائد ، وذوي القوانين والقواعد ، ولم يزل كذلك إلى أن عطس أنف الصباح ، وداره أيّده اللّه تعالى مزهرة بالأفراح . ثمّ خرج الخطيب من داره المذكورة ، متوجّها إلى المسجد الحرام ، محفوفا بأعاظم العلماء الأعلام ، وبأعيان مكّة المشرّفة الرافلين في حلل المظاهر المفوّفة ، وبعد أداء الصلاة والخطبة رجعوا إلى داره السامية ، صحبة حضرة الخطيب ، وقد استعدّ لهم جميعا بالأسمطة الفاخرة ، وأنواع من الطيب ، فأكلوا وشربوا ، وتطيّبوا وذهبوا ، ثمّ إنّه أمر بعد ذلك بتقسيم الحلوى مرّة ثانية ، وإرسالها إلى بيوت الأعيان العظام ، على رؤوس الخدّام ، وهذا أمر لم يسبق إليه أيضا ، فامتلأت قلوب أعاديه حسدا وغيظا . وبالجملة إنّ الذي صدر من هذا الرجل - وفّقه اللّه تعالى وأدامه - من أعظم مخائل الهمم العليّة ، والمروءة الكاملة ، والرئاسة العامّة ، ولم يسبقه أحد في مثل ذلك إلّا جدّه أبو بكر حين قام بمثله لبعض خطباء مكّة المشرّفة ، لكنّه استعدّ قبل ذلك بكم شهر ، وسبطه هذا في عشرة أيّام ، قام بهذا الأمر على أكمل نظام ، فجزاه اللّه تعالى على همّته هذه ومروءته خير الجزاء ، وجعل نصيبه من سعادة الدارين أوفر الإجزاء .