السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي
357
تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية
تقبض الثلاثين ، وهو لم يرض بالسهى له قرين . نشأ في كفالة أبيه ، وجدّ في طلب الكمالات حتّى أزرى بطلّاب العلم ومكتبيه ، بفكرة وقّادة ، وفطنة نقّادة ، وخطّ لو رآه ابن مقلة لاشتهى أن يكتب مثله ، وقلّ ما من جمع بين الحظّ والخطّ ، وما أظنّ أنّ أحدا جمعها قبله قطّ ، خطب خطبة لو سمعها قدامة ، لوقف باهتا قدّامة ، أو رآها ابن الأثير ، لغدا في مفرداتها كالحائر الأسير ، أو وعي وعظها ابن أدهم ، لاستزاد زهدا في ردّ الدرهم . خرج من داره الشريفة متوجّها إلى المسجد الحرام ، وأعيان مكّة المشرّفة من العلماء الأعلام ، حافّون بجنابه العالي إلى أن وصل إلى الحجر والمقام ، ثمّ صعد المنبر الشريف ، والمحلّ العالي المنيف ، وتلا خطبته الغرّاء ، والمسجد الشريف المكّي ، غاصّ بالفضلاء من عربي وتركي ، ومشايخ الإسلام العظام ، وأغلب السادة المعتبرين الكرام ، معه على المنبر السامي المقام ، وتلاها عن ظهر الغيب ، سالمة من كلّ شين وعيب . وصار له في ذلك اليوم المشهود المشهور ، أمر لم يصر لأحد قطّ على ممرّ الأعوام والدهور ، إذ زفّت إلى حضرته العليّة ، وهو على المنبر المذكور ثلاث خلع سنيّة من الفرو والسمّور ، وأفيضت على جسمه الشريف وهو واقف يدعو بالإعلان ، لحضرة مولانا السلطان حتّى أعياه نقلها ، وأتعبه ثقلها ، إحداها من حضرة الملك المؤيّد المعظّم المسعود ، مولانا وسيّدنا الشريف مسعود ، أدام اللّه تعالى وجوده ، وأسعد جدوده ، والثانية من حضرة الوزير الأعظم ، والمشير الأجلّ الأفخم ، ذي الرأي الصائب ، والفكر الثاقب ، مولانا أحمد باشا ، بلغه اللّه من سعادة الدارين ما شاء ، والثالثة من حضرة قاضي الشرع الشريف في ذلك العام ، وهو من أعظم أفاضل قضاة الأروام ، أدام اللّه تعالى إجلاله ، وأيّد إقباله .