السيد رضي الدين بن محمد الموسوي العاملي المكي

283

تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسنية

واستمرّوا أكثر من شهر على الحالة التي وصفناها ، وليس لهم قدرة على الإقدام عليه ، والتوجّه إليه ، وهو مستقرّ الفكرة بداره ، لم يشهر له سيف من غراره ، بل لم يزل يعاملهم بلطفه ، ويحنو عليهم بشفقته وعطفه ، ولو أراد تجريعهم كأس الهلاك ، لما كان له مانع من ذاك . مع أنّهم في أثناء تحزّبهم أرسلوا إلى الشريف مسعود بن الشريف سعيد ، وهو مقيم بمنزل خليص ، ودفعوا إليه أموالا ليصل إليهم ، وهم على تلك الحال فقبض الدراهم ، وامتنع من الوصول إلى البلاد ، إلّا بعد جمع أقوام وأجناد . ثمّ رحل من موضعه الذي كان فيه مقبلا إلى أن وصل وادي مرّ ، فأقام به واستمرّ ، وشرع يستأنف الأشراف ، ويجمع البادية من الأطراف ، وهم بمكّة المشرّفة على حالهم من التحزّب والتتريس ، والتحلّي بحمل السلاح النفيس ، إلّا أنّهم في غاية من الانحصار ، لما هم فيه من الانحشار . فوصل إلى مكّة المعظّمة ، فخر وزراء الدولة الثعمانيّة المكرّمة ، الوزير الأعظم ، والمشير الأفخم ، أبو بكر باشا ، بلغه تعالى من السعادة ما شاء ، بعد مكاتبات كثيرة صدرت منهم إليه في بندر جدّة المعمور ، وهو لم يزل يعاملهم بالاهمال والإطالة لمراعاة بعض الأمور : منها : أنّه مع طول المدّة ، تنحلّ عنهم الغلظة والشدّة ، ويتنزّلون عن مرامهم ، فيتسلّط على نقض إبرامهم . ومنها : مراعاة طرف مولانا الشريف دام علاه ، لجزمه بأنّ ما وقع من عسكره ، ليس هو مراده ولا هواه ، وعلمه بأنّه المولّى من سلطان الإسلام ، والمنصوب لحماية جيران بيت اللّه الحرام .