الشيخ حسن الكركي

16

عمدة المقال في كفر أهل الضلال

ويقول ابن أبيالحديد : وأمّا الشجاعة فإنّه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحروب مشهورة ، يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذي ما فرّ قطّ ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحداً إلّا قتله ، ولا ضرب ضربة قطّ فاحتاجت الأولى إلى ثانيه . وفي الحديث « كانت ضرباته وتراً » . ولمّا دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال له عمرو : لقد أنصفك ، فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلّا اليوم ، أتأمرني بمبارزة أبيالحسن وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق ، أراك طمعت في إمارة الشام بعدي . وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأمّا قتلاه فافتخار رهطهم بأنّه عليه السلام قتلهم أظهر وأكثر ، قالت أخت عمرو بن عبدودّ ترثيه : لو كان قاتل عمرو غير قاتله * بكيته أبداً ما دمت في الأبد لكنّ قاتله من لا نظير له * وكان يدعى أبوه بيضة البلد وانتبه يوماً معاوية ، فرأى عبد اللَّه بن الزبير جالساً تحت رجليه على سريره ، فقعد فقال له عبداللَّه يداعبه : يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت ، فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر ، فقال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصفّ إزاء علي بن أبي طالب ، قال : لا جرم إنّه قتلك وأباك بيسرى يديه وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها . وجملة الأمر : أنّ كلّ شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه ينادي في مشارق الأرض ومغاربها « 1 » .

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد 1 : 20 - / 21 .