مركز تحقيق مدرسة ولي العصر ( عج )

1731

غنا ، موسيقى ( عربي - فارسي )

مفسَّراً في حديث آخر « ما أذِنَ الله لشيءٍ كإذنه لنبيٍ يَتَغَنَّي بالقرآن يَجْهَرُ به ، قيل : إنّ قوله « يَجْهَرُ به » تفسير لقوله : « يَتَغَنّى به » . و قال الشافعي : معناه تَحسين القراءة و ترقيقُها و يشهد له الحديث الآخر : « زَيِّنُوا القرآنَ بأصواتكم » و كلّ من رَفَعَ صوتَه و والاه فصوته عند العرب غِناء . قال ابن الأعرابي : كانت العرب تَتَغَنّى بالرُكبانيّ إذا رَكِبَتْ و إذا جَلَسَت في الأفنيَة . و على أكثر أحوالها ، فلمّا نَزَلَ القرآن أحبَّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن تكون هِجِّيراهُم بالقرآن مكان التَغَنِّي بالرُكباني . و أوّلُ من قرأ بالألحان عبيد الله بن أبي بَكْرة فورثَه عنه عُبَيْد الله بن عُمَر ، و لذلك يُقال : قِراءة العُمَريّ . و أخذ ذلك عنه سعيد العَلَّاف الإباضي . و في حديث عائشة « و عندي جاريتان تُغَنِّيان بغناء بُعاث » أي تُنشدان الأشعار التي قيلت يوم بُعاث و هو حرب كانت بين الأنصار و لم تُرِد الغناء المعروف بين أهل اللَهو و اللَعِب . و قد رخَّص عُمَر في غناء الأعراب ، و هو صوت كالحُداء « 1 » ، انتهى . و لا يخفى أنّ قوله : « و لم ترد الغناء المعروف الخ » يريد ما ذكرناه . و قال صاحب الوافي فيه و في المفاتيح « 2 » : و من المعاصي الغناءُ بما فيه ترجيع و إطراب على المشهور سواء كان بمجرّد الصوت أو انضمَّ به من الآلات ، و استدلُّوا عليه بالأخبار التي فُسِّر فيها * ( « لَهْوَ الْحَدِيثِ » ) * و * ( « قَوْلَ الزُّورِ » ) * في الآيتين بالغناء ، فزعموا أنّ المراد منه ما يشتمل على ترجيعٍ و إطرابٍ . و بما وَرَدَ في الخبر « أنّ استماع الغناء و اللهو يُنْبِتُ النفاقَ في القلب » و في آخر « أنّه ممّا أوعَدَ الله عليه النار و تلا الآية الاولى » . و في آخر « المغنِّية ملعونة ملعون من أكلَ كَسْبَها » . و في آخر « شراؤهنَّ حرام و بيعُهُنَّ حرام و تعليمُهُنَّ كفر . و استماعهُنَّ نفاق » . و في آخر « و ثمنهنّ سُحْت » . و منهم مَنْ استَثْنى من الممنوع منه ما يكون في العرائس لِما في الصحيح « أجرُ المغنِّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس و ليست بالتي تدخل عليها الرجال » . و في الحديث النبوي « اعلنوا النكاح و اضربوا عليه بالغربال يعني الدفّ » . و ربما يلحق بالنكاح الخِتانُ و مَنَعَ منه الحلَّي مطلقاً 4 و وافَقَه في التذكرة لأنّ الله حَرَّم اللهوَ و اللعبَ ، و هذا منه . أقول : الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة في الغناء و يَقْتَضِيه التوفيقُ بينها ، اختصاصُ حُرمته و حُرمة ما يتعلَّق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشِراء كلَّها بما كان على النحو المتعارف في زمن بني اميّة [ و بني العبّاس ] من دخول الرجال عليهنَّ و استماعهم لصوتهنَّ و تكلُّمهنَّ بالأباطيل و لَعْبِهِنَّ بالملاهي من العيدان و القَضيب و غيرهما ، و بالجملة ما اشتملَ على فعلٍ محرّمٍ دون ما سوى ذلك ، كما يشعر به قوله عليه السلام « ليست بالتي تدخل عليها الرجال » . إلَّا أن يقال : إنّ بعض الأفعال لا يليقُ بذوي المروءات و إن كان مباحاً ، فلا ينبغي لهم منه إلَّا ما فيه غرض حقّ ، ممّا ورد المعتبرة بالإذن فيه بل الأمر به . و ورد « أنّ علي بن الحسين عليهما السلام كان يقرأ فربما مرَّ به المارُّ فصعِقَ من صوته و في بعضها « رجِّع بالقرآن صوتَك فإنّ الله يحبّ الصوت الحسن يُرَجِّعُ فيه ترجيعاً » إلى غير ذلك . و يُستفاد من كلام الاستبصار أنّ تحريم الغناء إنّما هو لاشتماله على أفعالٍ محرّمةٍ فإن لم يتضمَّن شيئاً من ذلك جاز . و حينئذٍ فلا وجه لتخصيص الجواز بزَفِّ العرائس و لا سيّما و قد ورد الرخصة به في غيره . فالميزان فيه حديث « من أصغى إلى ناطقٍ فقد عَبَدَه » و قول أبي جعفر عليه السلام : « إذا مَيَّزَ الله بين الحقّ و الباطلِ فأيْن يكون الغناء ؟ » . و على هذا فلا بأس بسماع التغنّي بالأشعار المُتَضَمِّنَة ذكر الجنّة و النار و التشويق إلى دار القرار و وصف نِعَم الله المَلِكِ الجَبّار و ذِكر العبادات و الترغيب في الخيرات و الزهد في الفانيات و نحو ذلك كما اشير إليه في حديث الفقيه بقوله : « فَذكَّرَتْكَ الجنّة » و ذلك لأنّ هذه كلَّها ذكر الله تعالى و ربما * ( تَقْشَعِرُّ مِنْه جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ الله ) * . و بالجملة لا يخفى على ذوي الحجى بعد سماع هذه الأخبار تمييزُ حقّ الغناء من باطله ، انتهى كلامه رحمه الله . . .

--> « 1 » النهاية ، ج 3 ، ص 391 392 ، « غنا » « 2 » من هنا إلى آخر الفصل العاشر إنما نقل المؤلف كلام الفيض رحمه الله ، و أسقطناه هنا لما أوردناه في هذا القسم في الصفحات السابقة