السيد مهدي الرجائي الموسوي
156
المحدثون من آل أبي طالب ( ع )
كنت معيناً لهم عليّ بإمساكي على ما صاروا إليه ، وطمعوا فيه من تناول الأطراف ، وسفك الدماء ، وقتل الرعية ، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كلّ حال ، كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية ، فأصير إلى ما كرهت أوّلًا آخراً ، وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ، ولم أهجم على الأمر إلّا بعد ما قدّمت وأخّرت ، وتأنّيت وراجعت ، وأرسلت وسافرت ، وأعذرت وأنذرت ، وأعطيت القوم كلّ شيء التمسوه ، بعد أن أعرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه . فلمّا أبوا إلّا تلك أقدمت عليها ، فبلغ اللّه بي وبهم ما أراد ، وكان لي عليهم بما كان منّي إليهم شهيداً ، ثمّ التفت عليه السلام إلى أصحابه ، فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين . فقال عليه السلام : وأمّا السادسة يا أخا اليهود ، فتحكيمهم ومحاربة ابن آكلة الأكباد ، وهو طليق ابن طليق ، معاند للّه عزّوجلّ ولرسوله والمؤمنين منذ بعث اللّه محمّداً صلى الله عليه وآله إلى أن فتح اللّه عليه مكّة عنوة ، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم ، وفي ثلاثة مواطن بعده ، وأبوه بالأمس أوّل من سلّم عليّ بإمرة المؤمنين ، وجعل يحثّني على النهوض في أخذ حقّي من الماضين قبلي ، ويجدّد لي بيعته كلّما أتاني ، وأعجب العجب أنّه لمّا رأى ربّي تبارك وتعالى قد ردّ إليّ حقّي ، وأقرّه في معدنه ، وانقطع طمعه أن يصير في دين اللّه رابعاً ، وفي أمانة حمّلناها حاكماً ، كرّ على العاصي ابن العاص ، فاستماله فمال إليه ، ثمّ أقبل به بعد أن أطمعه مصر ، وحرام عليه أن يأخذ من الفيء دون قسمه درهماً ، وحرام على الراعي إيصال درهم إليه فوق حقّه ، فأقبل يخبط البلاد بالظلم ، ويطأها بالغشم ، فمن بايعه أرضاه ، ومن خالفه ناواه ، ثمّ توجّه إليّ ناكثاً علينا ، مغيراً في البلاد شرقاً وغرباً ويميناً وشمالًا ، والأنباء تأتيني ، والأخبار ترد عليّ بذلك . فأتاني أعور ثقيف ، فأشار عليّ أن اولّيه البلاد التي هو بها لُاداريه بما اولّيه منها ، وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا لو وجدت عند اللّه عزّوجلّ في توليته لي مخرجاً ، وأصبت لنفسي في ذلك عذراً ، فأعلمت الرأي في ذلك ، وشاورت من أثق بنصيحته للّه عزّوجلّ ولرسوله صلى الله عليه وآله ولي وللمؤمنين ، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي ، ينهاني عن توليته ، ويحذّرني أن ادخل في أمر المسلمين يده ، ولم يكن اللّه ليراني أتّخذ المضلّين عضداً ، فوجّهت إليه أخا بجيلة مرّة وأخا الأشعريين مرّة ، كلاهما ركن إلى الدنيا وتابع هواه فيما أرضاه .