السيد مهدي الرجائي الموسوي
154
المحدثون من آل أبي طالب ( ع )
الذين صيّر الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره . وكفى بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبراً ، فمكث القوم أيّامهم كلّها كلّ يخطب لنفسه ، وأنا ممسك عن أن سألوني عن أمري ، فناظرتهم في أيّامي وأيّامهم وآثاري وآثارهم ، وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم ، وذكّرتهم عهد رسول اللّه صلى الله عليه وآله إليهم ، وتأكيد ما أكّده من البيعة لي في أعناقهم ، دعاهم حبّ الإمارة وبسط الأيدي والألسن في الأمر والنهي ، والركون إلى الدنيا ، والاقتداء بالماضين قبلهم ، إلى تناول ما لم يجعل اللّه لهم ، فإذا خلوت بالواحد ذكّرته أيام اللّه ، وحذّرته ما هو قادم عليه وصائر إليه ، التمس منّي شرطاً أن اصيّرها له بعدي . فلمّا لم يجدوا عندي إلّا المحجّة البيضاء ، والحمل على كتاب اللّه عزّوجلّ ، ووصية الرسول ، وإعطاء كلّ امرئ منهم ما جعله اللّه له ، ومنعه ما لم يجعل اللّه له ، أزالها عنّي إلى ابن عفّان طمعاً في الشحيح معه فيها ، وابن عفّان رجل لم يستو به وبواحد ممّن حضره حال قطّ فضلًا عمّن دونهم ، لا ببدر التي هي سنام فخرهم ولا غيرها من المآثر التي أكرم اللّه بها رسوله ، ومن اختصّه معه من أهل بيته ، ثمّ لم أعلم القوم أمسوا من يومهم ذلك حتّى ظهرت ندامتهم ، ونكصوا على أعقابهم ، وأحال بعضهم على بعض ، كلّ يلوم نفسه ويلوم أصحابه ، ثمّ لم تطل الأيّام بالمستبدّ بالأمر ابن عفّان حتّى أكفروه ، وتبرّؤوا منه ، ومشى إلى أصحابه خاصّة وسائر أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله عامّة على هذه ، يستقيلهم من بيعته ، ويتوب إلى اللّه من فلتته . فكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من أختها ، وأفظع وأحرى أن لا يصبر عليها ، فنالني منها الذي لا يبلغ وصفه ، ولا يحدّ وقته ، ولم يكن عندي فيها إلّا الصبر على ما أمضّ وأبلغ منها ، ولقد أتاني الباقون من الستّة من يومهم كلّ راجع عمّا كان ركب منّي ، يسألني خلع ابن عفّان ، والوثوب عليه وأخذ حقّي ، ويؤتيني صفقته وبيعته على الموت تحت رايتي ، أو يردّ اللّه عزّوجلّ عليّ حقّي ، فواللّه يا أخا اليهود ما منعني إلّا الذي منعني من أختيها قبلها ، ورأيت الإبقاء على من بقي من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها ، وعلمت أنّي إن حملتها على دعوة الموت ركبته ، فأمّا نفسي فقد علم من حضر ممّن ترى ومن غاب من أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله أنّ الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحرّ من ذي العطش الصدى .