السيد مهدي الرجائي الموسوي
126
المحدثون من آل أبي طالب ( ع )
خيارهم أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة للمسلمين ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة . قال : وسألته عن مجلسه ، فقال : كان صلى الله عليه وآله لا يجلس ولا يقوم إلّا على ذكر ، ولا يوطن الأماكن وينهي عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ، ويعطي كلّ جلسائه نصيبه ، حتّى لا يحسب أحد من جلسائه أنّ أحداً أكرم عليه منه ، من جالسه صابره ، حتّى يكون هوالمنصرف عنه ، من سأله حاجة لم يرجع إلّا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس منه خلقه ، وصار لهم أباً رحيماً ، وصاروا عنده في الحقّ سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصدق وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، ولا تنثي فلتأته ، متعادلين متواصلين فيه بالتقوى ، متواضعين يوقّرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب . فقلت : فكيف كانت سيرته في جلسائه ؟ فقال : كان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مزّاح ولا مدّاح ، يتغافل عمّا لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ولا يخيّب فيه مؤمّليه ، قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذمّ أحداً ، ولا يعيره ، ولا يطلب عورته ولا عثراته ، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه ، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلّموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث ، وإذا تكلّم عنده أحد أنصتوا له حتّى يفرغ حديثهم عنده حديث أوليهم ، يضحك ممّا يضحكون منه ، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه ، ولا يقبل الثناء إلّا من مكافىء ، ولا يقطع على أحد كلامه حتّى يجوز ، فيقطعه بنهي أو قيام . قال : فسألته عن سكوت رسول اللّه صلى الله عليه وآله ، فقال : كان سكوته على أربع : على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكّر . فأمّا التقدير ، ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس . وأمّا تفكّره ، ففيما يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم في الصبر ، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزّه ، وجمع له الحذر في أربع : أخذه الحسن ليقتدي به ، وتركه القبيح لينتهي عنه ، واجتهاده