الشيخ حسن الجواهري
168
دعوة إلى الإصلاح الديني والثقافي
يرونها صحيحة . وقد أمر القرآن بالتقية من المشركين حيث قال تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً . . . « 1 » . وقال تعالى : إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ * مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ « 2 » . وقال تعالى : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ ، أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ . . . « 3 » . وقد وردت الروايات الصحيحة من أهل البيت عليهم السلام عن النبيّ صلى الله عليه وآله في مشروعيتها ، فتمسك بها قوم خشية على دمائهم . وهي أمر فطري لا يحتاج جوازه إلى دليل ، يقدم عليه كل عاقل إذا كان الطرف الآخر ظالماً فاسقاً . وعلى كل حال : إنَّ الاعتقاد بالتقية أو الاعتقاد بعدمها عند بعض المسلمين لا يشكل خروجاً عن الإسلام ، خصوصاً إذا التفتنا أنَّ معنى التقية يختلف عند المتنازعين على مشروعيتها وعدمها ، فمن يعتقد مشروعيتها يفسرها بأنَّها أمرٌ لابدَّ منه ، ولا يحتاج إلى دليل لأنه هروب من الأفسد إلى الفاسد وهو أمرٌ عقلي واجب للحفاظ على حياته . ومن يقول بعدم مشروعيتها يدّعي أنها نوع من الخداع والتضليل والغش المنهي عنه . وبهذا يمكن أن نوقع الاتفاق من الطرفين على جواز التقية بالمعنى الأوّل وعدم جوازها بالمعنى الثاني ويكون النزاع بين الأطراف في المصداق الخارجي لما يعمل تقية ، فإنْ كان للخلاص من الظالم الفاسق الذي لا يتورع من سفك دماء المسلمين فهي من المعنى الأوّل الجائز ، وإن كان لتلبيس
--> ( 1 ) آل عمران : 28 . ( 2 ) النحل : 105 - 106 . ( 3 ) غافر : 28 .