الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

90

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

أمّا الخاصّة فهم - بفضل ما عندهم من العلم والمعرفة وصحّة الحدس والفراسة - في غنىً عن تحرّي المعجزات والتماس خوارق العادات ، بل يمعنون نظراً في شمائل ذلك المدّعي للرسالة ، ويغرقون نزعاً في تدبّر رسالته وما جاء به من عند مُرسله ، فإن وجدوا على شمائله دلائل من مرسله وعلامات من مبتعثه وأنّ رسالته طبق ما يُعلم من حال المليك الذي يدّعي الرسالة عنه وعلى وفق ضروريات الأُمّة التي أُرسل فيها وقام بين ظهرانيها ودعاها إلى اتّباعه والعمل بما جاء به ، ارتاحوا به وسكنوا إليه ، وأغناهم ذلك عن الاعتضاد بمعجزة والاعتماد على مُدهشة ، وكان لهم من نفس دعواه وجوهر مقالته أعدلُ شاهد على صدقها وأقوى دليل على صحّتها . وشتّان من يستدلّ على النار بحرارة ضوئها ولمعانها ، ومن يستدلّ عليها بتصاعد دخّانها . شتّان طبيبٌ عرفته بمعالجة المرضى والمزمنين حتّى أبلوا ، وآخر عرفته بكثرة ما يحفظ ويسرد عليك من أسماء العقاقير والأدوية . إنّ مثل هؤلاء الخاصّة من ذوي التمييز والمعرفة كمثل أطبّاء مهرة وعلاجيين جهابذة ، ولكن أصاب بلادهم أوبئةٌ غريبة عجزوا عن علاجها ومعرفة أسبابها ، فنبغ من بينهم رجل ومعه كتاب يعرّفهم العلل والأسباب ، ويدلّهم على طرق العلاج لتلك الأوصاب ، ويشرح لهم الداء والأدواء وما يُقتلع به جراثيم ذلك الوباء ، وما نظروا في كتابه حتّى أدركوا - بفضل ما عندهم من ذلك الفنّ ومزاولتهم إيّاه طول أعمارهم - أنّه قد أصاب الحقيقة وبلغ الغاية ، وما عتموا أن عوّلوا على الامتحان ، فوجدوا العيان ظهيراً للبيان . أفهل يلتمس منه أحدهم - بعد هذا - أن يطير في الهواء أو يمشي على الماء