الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

385

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

والغميزة في زعما ملّتنا وملّتهم . كيف ! وما هو من دأب ذوي الفضل والناهجين على سنّة العقل في حقّ أيّ أحد كان وأيّ ملّة كانت ، فكيف بهذه الملّة المقدّسة وشارعها الصادق الأمين ؟ ! لا وعزّة الأديان ، لا يكون جزاء ( محمّد ) ( له المجد والشرف ) من الأُمّة المسيحية ذلك ، وهم لا يجهلون ولا يتناسون أنّ ذلك البرّ الرؤوف ومظهر الرحمة الواسعة لمّا ملك أزمّة القوّة وأمكنته يد القدرة والسطوة ، كيف منحهم حرّية الدين ، وأدخلهم في الذمّة المرعية ، وعقد بينه وبينهم العهود الوثيقة ، وجعلهم من رعايته وحمايته في أمنع كنف وأمرع كهف . ثمّ اتّسع التأهيل والترحيب وزاد التلطيف والتقريب ، حتّى صارت النواقيس ترنّ في عواصم المسلمين ، ودين النصرانية تعدّ نواميسه وشعائره بإزاء هذا الدين . فها هي تلك أُمّهات بلاد الإسلام قبل - كما هي اليوم - كنائس ومساجد ، ونواقيس ومآذن ، وزوايا وصوامع ، وقسس وعلماء ، ومطارنة وقضاة ، ورهبان ومتصوّفة ، وهلمّ جرّاً . كلّ طائفة مقرونة بأُختها ، وكلّ طريقة مقابلة بنظيرتها بكلّ حرّيتها وتمام أمنيتها . ناهيك دماؤهم المحقونة ، وأعراضهم المصونة ، وأموالهم المضمونة . قل لي بشرف الإنصاف ، أيّ ملّة سمحت لضرّتها وابنة علّتها ما سمحت هذه الملّة المقدّسة لأخواتها الكتابية ومعاهداتها الأجنبية ؟ ! ولا أظنّك جهلت أو نسيت ما كان من الثورات الدموية التي كانت بين الأُمم السالفة في القرون الغابرة ممّا ليس هنا محلّ تفصيله .