الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
362
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
دونك ما تواتر من مثل قوله لعمّه وكفيله ( أبي طالب ) وقد اجتمعت عنده كبّار قريش قائلين له : يا أبا طالب ، إنّ ابن أخيك عاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا ، فانهه عنّا أو خلّ بيننا وبينه ! فوعدهم جميلًا ، ثمّ عادوا إليه ، وقد اشتدّ غيظهم ، وقالوا : إن لم تنهه نازلناه وإيّاك ! فبعث إليه وأعاد كلامهم عليه ، فظنّ النبي أنّ عمّه عزم على خذلانه ، فشقّ عليه ذلك ، وقال : « يا عمّ ، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر » ، ثمّ انصرف وهو يبكي ، فناداه عمّه : قل ما أحببت ، فو اللَّه لا أُسلّمك أبداً « 1 » « 2 » . أقول : ألا بذمّة الحقّ وحرمة الحقيقة وشرف الصدق وشهامة الإنصاف وشهادة التعقّل ، أترى - يا رعاك اللَّه وهداك - أنّه ليس لهذا الأمر من واقع ، وليس وراء هذه الصورة حقيقة ، وأنّ هذه الشدّة والحماس والقوّة كان من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وهو على غير يقين من أمره ولا ثقة بدينه ولا قاسر إلهي من ورائه ، وأنّه بشر من سائر الناس ، افترى - معاذ اللَّه - فرية على اللَّه ، فصبر لها هذا الصبر ، وثابر لرواجها تلك المثابرة ، وكابر العالم كلّه عليها تلك المكابرة ؟ ! إذن ما أنصفت في الحكومة ولا تلطّفت في الفكرة ، ولا تدبّرت ولا تدرّبت ، ولا عدلت ولا اعتدلت ! أنت واختيارك ، أنت وإنصافك ، أنت ومروّتك ، أنت وما ترضاه لنفسك ، أنت وما تجده في وجدانك وحسّك ، لا بل أنت وربّك ، فاللَّه حسبي وحسبك ! أمّا أنا فقد خرجت لك من العهدة ، ومخضت وطاب المطالب ، ثمّ محضت
--> ( 1 ) قارن : السيرة النبويّة لابن هشام 1 : 303 ، المنتظم 2 : 368 ، الكامل في التاريخ 2 : 43 ، تاريخ أبي الفداء 1 : 176 ، السيرة النبويّة لابن كثير 1 : 463 - 464 . ( 2 ) ستأتي تفاصيل هذه الأُمور على الدقّة والفلسفة والبسط والاستيفاء في الجزء الثالث إن شاء اللَّه . ( منه رحمه الله ) .