الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

256

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

نعم ، يا هذا ! إنّ الأمر لكما ذكرت والحال على ما وصفت . ولكن تحسب أنَّ مَن أبدع العقل قد جهّله وأبطله من حيث علّمه وجعله ، وهدّه من حيث أعدّه ، وأعدمه من حيث أوجده ، وعزله ونكّبه من حيث نصره ونصبه ؟ ! كلّا ، وهيهات . إنّ له ميزاناً لا يحيف ومعياراً ليس بالطفيف ، وعلماً أوضح من أن يجهل وباباً أوسع من أن يُغلق دون أحد أو يُقفل . إنّ عيار حكم العقل ووزانه وملاكه وكيانه ، بعد مراجعة المرء نفسه ووجدانه إذا وقع في مضيق المجادلة ودُفع إلى طريق الخصومة والمحاججة وغمط فضله ورُدّ عليه ما حكم به عقله ، وذاك هو الانتصار والاستظهار بما حكم به العقلاء ممّن لا يجحد الخصم فضله ولا ينكر عقله في أمثال ما خاضوا فيه وتدافعوا عليه . فإنّ الأشياء بنظائرها تعرف وبأواصرها تلحق وتوصف . وهل عصارة ما زخرفناه عنك من واهن الشبهة وواهي الحجّة إلّاالقول ( بالصدفة ) ، حيث تقول : عسى أن يكون قد اتّفق ( لموسى ) من معرفة أسباب للسحر ما لم يعثر عليه سحرة عصره ، و ( لعيسى ) من الطبّ ما خفي على أطبّاء زمانه ، و ( لمحمّد ) صلى الله عليه وآله وسلم من البلاغة ما عجز عنه بلغاء قومه « 1 » . وهل هذا إلّاكقول من قال : إنّ وجود العالم بالصدفة والبخت والاتّفاق ، لا عن صنع صانع وتدبير واضع وإتقان حكمة وحصافة حلم وسعة علم ؟ ! وهناك قوم على أوّليات الدهر وأُخرياته - ممّن نتسالم على صحّة عقولهم ورجاحة حلومهم - قد أنكروا على أُولئك أشدّ الإنكار وأسقطوهم عن درجة الاعتبار ، وسمّوهم : بالسوفسطائية ، وأمثال كلماتهم : بالسفسطة .

--> ( 1 ) نُقل بلفظ : ( قيل ) في إعجاز القرآن للباقلاني 319 .