الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

221

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

لا أحسب أنّه يغيب عن ذاكرتك سجود بعض العرب من علية الشعراء عند سماعه قول ( عدي بن رقاع العاملي ) « 1 » : تزجي أغنَّ كأنّ إبرةَ روقهِ * قلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادَها « 2 » وقال للملأ الحضور - بعد سجوده - : ( نحن نعرف عزائم الشعر ومواضع السجود منه معرفتكم أمكنة السجود من القرآن ومواضع العزائم منه ) « 3 » . هذا النفوذ والتأثير من البلاغة هو الذي منح الشعراء والأدبيين الدالّة على الملوك والخلفاء حتّى صاروا يجلسون معهم على أسرّة ملكهم ، وينادمونهم في أخصّ مجالسهم ، ويحاورونهم محاورة الإنسان صديقه والشقيق شقيقه ، ثمّ يميحونهم روابي الذهب من القناطير ، ويرضخون لهم البُدر « 4 » من الدراهم والدنانير . ولو أنّ الملوك إنّما تصطنع الشعراء وتبلغ بهم تلك المنزلة من الإكرام والحفاوة لصرف مديحهم والثناء عليهم ( وإنّ حبّ الثناء سجية الإنسان ) وبالأخصّ الملوك ، لو كان الشأن هو هذا ليس إلّا ، لهان على الناس نيل تلك

--> ( 1 ) أبو داود عدي بن زيد بن مالك بن عدي بن الرقاع العاملي ، شاعر دمشقي ، كان معاصراً لجرير مهاجياً له مقدّماً عند بني أُمية مدّاحاً لهم خاصّاً بالوليد بن عبد الملك . لقّب بشاعر أهل الشام . قيل : كان أبرص . مات في دمشق سنة 95 ه ، وله ديوان شعر ممّا جمعه ثعلب . ( الأغاني 8 : 172 - 177 ، أمالي القالي 1 : 100 و 2 : 61 ، سمط اللآلي 309 ، تاريخ الإسلام ( حوادث ووفيات 101 - 120 ه ) 163 - 164 ، سير أعلام النبلاء 5 : 110 ، ربيع الأبرار 4 : 288 و 291 ) . ( 2 ) نُسب للعاملي في : العقد الفريد 4 : 276 و 6 : 162 - 163 و 7 : 87 ، الأغاني 9 : 307 - 308 . والروق : القرن . ( لسان العرب 5 : 374 ) . ( 3 ) لاحظ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 105 . ( 4 ) البَدرة : كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم ، سمّيت ببدرة السخلة ( جلدها إذا فُطم ) ، والجمع : البدور ، والبدرات . ( لسان العرب 1 : 341 ) .