الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
208
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
أخذه ؟ ! فإنّ ( العبسي ) « 1 » وإن قال في أوّل معلّقته : فوقفت فيها ناقتي وكأنّها * فَدَنٌ لأقضي حاجةَ المتلوّمِ « 2 » ولكن هيهات ! أين هذا من ذاك ؟ ! أين ( الفدن ) من ( القصر ) ، وأين ( ناقتي ) من ( شدنية ) ؟ ! أين ( ملء الجبال ) ، وأين ( رعت الحمى ) ؟ ! وكلّ هذه ممّا زاد المعنى فخامة واللفظ حلاوة ، فصارت كلّ كلمة تعتنق أُختها ، وكلّ جملة ترتبط أشدّ الربط بما بعدها . وكم ترى من التفاوت بين ( رعت الحمى فأتت ملء الجبال ) ، وبين قوله : ( وقفت فيها ناقتي وكأنّها فدن ) ! ما أشدّ الربط بين تينك الجملتين ، وما أشدّ البتل والقلق بين هاتين ؟ ! وهب أنّ ( ابن هانئ ) أخذ تشبيه الناقة بالفدن - أي : القصر - من ( العبسي ) ، ولكن من أين أخذ حسن السبك وانتخاب تلك الألفاظ التي - على ما فيها من
--> ( 1 ) عنترة بن شدّاد بن عمرو بن معاوية بن قُراد العبسي ، أشهر فرسان العرب في الجاهلية ومن شعراء الطبقة الأُولى . من أهل نجد ، أُمّه حبشية اسمها : زبيبة ، سرى إليه السواد منها ، وكان من أحسن العرب شيمة ومن أعزّهم نفساً موصوفاً بالحلم على شدّة بطشه ، وفي شعره رقّة وعذوبة ، وكان مغرماً بابنة عمّه عبلة ، فقلّ أن تخلو له قصيدة من ذكرها . اجتمع في شبابه بإمرئ القيس الشاعر ، وشهد حرب داحس والغبراء ، وعاش طويلًا ، وقتله الأسد الرهيص أو جبّار بن عمرو الطائي ، نحو سنة 22 ق . ه . ينسب إليه ديوان شعر ، أكثر ما فيه مصنوع . ( الأغاني 8 : 235 - 243 ، خزانة الأدب 1 : 138 - 140 ، الأعلام الزركلي 5 : 91 - 92 ) . ( 2 ) ديوان عنترة 12 . والفدن : القصر . ( صحاح اللغة 6 : 2176 ) . والمتلوّم : المتمكّث والمنتظر . ( المصدر السابق 5 : 2034 ) .