الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
195
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
أقصى برج من ارتقائه ، وكأنّه وصل إلى الغاية التي ما وراءها مفسح ولا لحائل بعدها مسرح ، وكأنّ البلاغة فيه وقفت على حدودها المقدورة للبشر وأشرفت على العبور إلى ما وراء القوى والقُدر ، حتّى إذا أشرقت في العالم لمعات هذا القرآن الكريم والفرقان الحكيم سرت في الكون روح من البلاغة ، وَي « 1 » كأنّها غير تلك الروح ! وهبّ في الوجود روح من البيان ، وَي كأنّه ما كان في الحسبان ولا سنح على خاطر إنسان ! أُفصح لك عن طرف من ذلك وأُحيل إليك تمام ما أُحاول من هذه المقايسة والموازنة : إنّ العرب الذين تعلم أنت أحسن العلم بما للبيان والبلاغة عندهم من الشأو والشأن والمكانة والرفعة والزلفى والمنزلة ، قد كانت آية فصاحتهم وعنوان بلاغتهم وطراز ديباجتهم وبيت قصيدهم وقلادة جيدهم وأكبر ما عندهم لمن بعدهم وأحسن ما لديهم للمتطفّل عليهم ، هي تلك المعلّقات السبع التي خرقت كلّ سمع وطرقت كلّ جمع ، فكانت كإنجيل بلاغة ذلك الجيل ومعجز قرآن ذلك القبيل . وحقّاً أنّها قد أخذت حظّاً من الفصاحة وتبوّأت مقاماً من الإبداع تليق أن تعلّق به على ألواح الخواطر والأسماع ، لا وسط البيوت المقدّسة والهياكل الشريفة فقط . وأنت إذا منحتها النظرة الأُولى وجدت لأكثرها رونقاً من حسن ومسحة من لطف ، ولكنّك إذا أتبعتها الثانية وأمعنت بها تدبّراً ومحّصتها اعتباراً وجدتها
--> ( 1 ) وَي : كلمة تعجّب . ( صحاح اللغة 6 : 2532 ) .