الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
171
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
وكذا فانقل المصباح إلى مثله ، وقل : كمشكاة فيها سراج ، أو مشعل ، أو قنديل ، أو نبراس ، أو مقباس . هل تجد شيئاً منها يقرب من هاتيك الفرائد أو يشقّ غبارها ، أو يوازن عيارها ؟ ! فإنّ المشعل وإن كان أكبر من المصباح السراج الذي هو الضخم الثاقب وهو أكبر من النبراس والقنديل ونحوها ، ولكن في لفظ المشعل من الفجاجة والفهاهة والعامّية المرذولة ما لا يخفى على من له أدنى ذوق . ثمّ انظر إلى حسن خاتمة المثل وجميل عاقبته بقوله : « نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ » . أشار ( جلّ شأنه ) بالفقرة الأُولى إلى كون ذلك النور المضروب مثلًا لجلاله متضاعف الإضاءة والإشراق بتناصر المشكاة فيه والمصباح والزجاجة والزيت حتّى لم يبق بقية ممّا يقوّي النور ويزيده إشراقاً إلّاوهي فيه . فكأنّ هذه الكلمة هي فذلكة المقام وخلاصة المثل ، وهي بنفسها درّة فريدة تتلالأ نوراً وتشعّ إشراقاً ، وتتعالى بهجة وسناءً وتتسامى رفعة وعلاءً . سارت مسير الأمثال وعزّت عن الأنداد والأمثال ، ووقفت في المقام الذي لا يدرك ولا ينال ، واستغنت بشهامتها عن أخواتها واستقامت عن ذواتها بذاتها . . فهي إن اتّصلت بمقامها عزّت فيه وجلّت ، وإن انفصلت أشرقت وحدها وتجلّت . وهي من الفرائد التي ابتكرها هذا الكتاب ، ومنه سرت مثلًا في ألسنة العوام فضلًا عن الخطباء والكتّاب ، ككثير من فرائد مخترعاته وأبكار بلاغاته ممّا مرّ عليك كثير منه ، وما قصرنا عنه أكثر .