علي بن أبي الفتح الإربلي

55

كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )

وكان إذا ناول السائل الصدقة ، قَبّله ثمّ ناوله « 1 » . وعن جعفر بن محمّد عليهما السلام قال : سئل عليّ بن الحسين عن كثرة بكائه ؟ فقال : « لا تلوموني ، فإنّ يعقوب فقد سبطاً من ولده فبكى حتّى ابيضّت عيناه ولم يعلم أنّه مات ، وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلًا من أهل بيتي في غداةٍ واحدةٍ قتلى ، فترون حزنهم يذهب من قلبي ؟ ! » « 2 » . وسَمِع واعيةً « 3 » في بيته وعنده جماعة ، فنهض إلى منزله ثمّ رجع ، فقيل له : أمِن حَدَثٍ كانت الواعية ؟ قال : « نعم » . فعزّوه وتعجبّوا من صبره ، فقال : « إنّا أهل بيت نطيع اللَّه فيما نحبّ ، ونحمده

--> ( 1 ) الحلية : 3 : 137 بإسناده عن ابن المنهال الطائي . وأخرجه أحمد بن حنبل في كتاب الزهد ( 922 ) بإسناده عن أبي المنهال الطائي . ( 2 ) الحلية : 3 : 138 . ورواه الدينوري في المجالسة ( 692 ) ، وابن عساكر في ترجمته عليه السلام ( 86 - 87 ) . وأورد نحوه ابن شهرآشوب في المناقب : 4 : 179 - 180 ، والحلواني في نزهة الناظر : ص 95 . وروى السيّد أبو طالب في تيسير المطالب : ص 118 بإسناده عن الباقر عليه السلام قال : « كان أبي عليّ بن الحسين عليه السلام إذا حضرت الصلاة يقشعرّ جلده ويصفر لونه وترتعد فرائصه ، ويقف تحت السماء ودموعه على خدّيه ، ويقول : لو علم العبد من يناجي ما انفتل ، ولقد برز يوماً إلى الصحراء فتبعه مولى له فوجده قد سجد على حجارة خشنة ، قال مولاه : فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه ، قال : فأحصيت ألف مرّة وهو يقول : « لا إله إلّا اللَّه حقّاً حقّاً ، لا إله إلّا اللَّه تعبّداً ورقّاً ، لا إله إلّا اللَّه إيماناً وصدقاً » ، ثمّ رفع رأسه من سجوده وإنّ لحيته ووجهه قد غمرا بالماء من دموع عينيه ، فقال له مولاه : يا سيّدي ، أما آنَ لحزنك أن ينقضي ، وبكاؤك أن يقلّ ؟ ! فقال له : ويحك ، إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام كان نبيّاً ابن نبي بن نبي له أحد عشر ابناً ، فغيّب اللَّه واحداً منهم فشاب رأسه من الحزن واحدودب ظهره من الغمّ وذهب بصره من البكاء وابنه حيّ في دار الدنيا ، وأنا رأيت أبي وأخي وسبعة عشر من أهلي مقتولين صرعى ، فكيف ينقضي حزني ويقلّ بكائي » ؟ ! ( 3 ) في المصدر : « ناعية » .