علي بن أبي الفتح الإربلي
27
كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )
مملوك في طلب وجه اللَّه عزّ وجلّ والنجاة من النّار ممّا كدّ بيديه ورَشَح منه جَبينه ، وإنّه كان ليقوت أهله بالزيت والخَلّ والعَجْوة « 1 » ، وما كان لباسه إلّا الكرابيس « 2 » ، إذا فضل شيء عن يده من كمّه دعا بالجَلَم « 3 » فقصّه ، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبهاً به في لباسه وفقهه من عليّ بن الحسين عليهما السلام . ولقد دخل ابنه أبو جعفر عليه السلام عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد ، فرآه قد اصفرّ لونه من السَهَر ، ورَمِصَت « 4 » عيناه من البكاء ، ودَبِرَت جبهته « 5 » ، وانخرم أنفُه « 6 » من السجود ، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة ، قال أبو جعفر عليه السلام : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال البكاء ، فبكيتُ رحمةً له وإذا هو يفكّر ، فالتفت إلَيّ بعد هُنيهةٍ من دخولي وقال : يا بُنيّ ، أعطني بعض تلك الصحف الّتي فيها عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فأعطيته ، فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثمّ تركها من يده تضجّراً وقال : مَن يقوى على عبادة عليّ بن أبي طالب عليه السلام » ؟ ! « 7 » وعن عبد اللَّه بن محمّد القرشي قال : كان عليّ بن الحسين عليهما السلام إذا توضّأ اصفرّ لونه فيقول له أهله : ما هذا الّذي يغشاك ؟ فيقول : « أتدرون مَن أَتَأَهَّبُ للقيام بين يديه » ؟ ! « 8 »
--> ( 1 ) العَجوة بالحجاز التمر المخشِيّ ، وتمر بالمدينة . ( القاموس ) . ( 2 ) أي ثياب خشنة . ( الكفعمي ) . ( 3 ) الجَلَم : ما يُجزّ به . ( القاموس ) . ( 4 ) الرَمَص - بالتحريك - : وَسَخ يُجتمع في المُوق فإن سال فهو غَمَصٌ ، [ وإن جَمد فهورَمَصٌ ] ، قاله الجوهري . ( الكفعمي ) . ( 5 ) دَبر البعير : أصابتها الدبرة ، والدبَرة : القُرحة . ( 6 ) انخرم أنفه : انشقّت وَتَرته . ( 7 ) الإرشاد : 2 : 141 - 142 . ورواه الجرجاني في الاعتبار : ص 638 - 639 . وأورده القاضي النعمان في شرح الأخبار : 3 : 271 - 272 ، والطبرسي في إعلام الورى : ص 254 ، والمحلّي في محاسن الأزهار : ص 531 - 532 و 535 ، وذيله القطب الراوندي في الخرائج : 2 : 890 - 891 وابن شهرآشوب في المناقب : 4 : 149 . وأورد قطعة منه بسند آخر ابن أبيالحديد في شرح النهج : 4 : 110 . ( 8 ) الإرشاد : 2 : 142 - 143 . ورواه الدينوري في المجالسة ( 787 ) ، وابن أبي الدنيا كما عنه في تذكرة الخواص : ص 325 بإسناده عن محمّد بن الحسين عن عبيد اللَّه بن محمّد عن عبد الرحمان بن حفص القرشي . ورواه ابن عساكر في ترجمته عليه السلام ( 62 ) بإسناده عن عبيد اللَّه بن محمّد عن عبد الرحمان بن جعفر الهاشمي ، وعنه في سير أعلام النبلاء : 4 : 392 . ورواه المِزّي في التهذيب : 20 : 390 عن عبيد اللَّه بن محمّد القرشي عن عبد الرحمان بن حفص القرشي . ورواه الكنجي في كفاية الطالب : ص 449 ، وابن الجوزي في صفة الصفوة : 2 : 93 ، والغزالي في إحياء علوم الدين : 1 : 179 في عنوان « فضيلة الخشوع » ، والشهيد الثاني في التنبيهات العليّة : ص 104 . وفي قوت القلوب : 2 : 167 : وكان عليه السلام إذا توضّأ للصلاة تغيّر لونه واصفرّ وارعد ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : « تدرون بين يدي من أريد أن أقف ، وعلى من أدخل ، ولمن أخاطب » ؟ وتقدّم قريبه في ص 6 .