علي بن أبي الفتح الإربلي
414
كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )
[ غزوة تبوك ] ثمّ كانت غزاة تبوك فأمر اللَّه رسوله بالخروج إليها بنفسه ، وأن يستنفر الناس للخروج إليها ، وأخبره أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب ولا يُمنى بقتال عدوّ ، وأنّ الأمور تنقاد له بغير سيف ، وتعبّده بامتحان أصحابه بالخروج معه ، واختبارهم ليتميّزوا بذلك ، وكان الحرّ قويّاً ، وقد أَينَعَت ثمارهم ، فأبطأ أكثرهم عن طاعته رغبةً في العاجل ، وحرصاً على المعيشة وإصلاحها ، وخوفاً من القيظ وبُعد المسافة ولقاء العدوّ ، ونهض بعضهم على استثقال النهوض ، وتخلّف آخرون . واستخلف عليّاً عليه السلام في أهله وولده وأزواجه ومهاجريه ، وقال : « يا عليّ ، إنّ المدينة لا تصلح إلّابي أو بك » . لأنّه خاف عليها في غيبته ممّن عصاه يطمع فيها من مُفسدي العرب ، فاستظهر لها باستخلافه فيها ، وأنّ المنافقين لمّا علموا باستخلافه عليّاً حسدوه ، وعظم عليهم مُقامه بعد رسول اللَّه ، وعلم أنّه لم يغب إذا حضرها ، وأنّه لا مطمع للعدوّ فيها بوجوده ، وغبطوه على الرفاهية والدعة ، وتكلّف من خرج منهم المشاق ، فأرجفوا أنّه لم يخلفه إكراماً له ولا إجلالًا ، وإنّما خلّفه استثقالًا لمكانه ورغبةً في بعده ، فبهتوه بهذا الإرجاف ، كما قيل عن النبىّ صلى اللَّه عليه وآله وسلّم أنّه ساحر ، وأنّه شاعر ، وإنّما يُعلّمه بشر ، وهم يعلمون أنّهم يكذبون عليه ، وأنّه على خلاف ما يقولون ، فإنّه كان أحبّ الناس إليه ، وأقربهم من قلبه . فلمّا سمع عليه السلام ، أراد إظهار كَذِبهم وفضيحتهم ، فلحق بالنبىّ صلى اللَّه عليه وآله وسلّم وقال : « يا رسول اللَّه ، إنّ المنافقين زعموا أنّك إنّما خلّفتني استثقالًا ومقتاً » ! فقال : « ارجع يا أخي إلى مكانك ، فإنّ المدينة لا تصلح إلّابي أو بك ، فأنت خليفتيفيأهلي ، ودار هجرتي وقومي ، أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون