علي بن أبي الفتح الإربلي
246
كشف الغمة في معرفة الائمة ( ع ) ( المجمع العالمي )
أبيّ وأعرفهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل » « 1 » . وكلّ واحدة من هذه لا تفتقر إلى غيرها بخلاف علم القضاء وقد حصلت لعليّ عليه السلام بصيغة « أفعل » وهي تقتضي وجود أصل ذلك الوصف وزيادة فيه على غيره ، والمتّصف بها يجب أن يكون كامل العقل ، صحيح التمييز ، جيّد الفطنة ، بعيداً عن السهو والغفلة ، يتوسّل بفطنته إلى وضوح ما أشكل وفصل ما أعضل ، ذا عدالة تُحجزه عن أن يحوم حول حمى المحارم ، ومروّة تحمله على محاسن الشيم ، ومجانبة الدنايا ، صادق اللهجة ، ظاهر الأمانة ، عفيفاً عن المحذورات ، مأموناً في السخط والرضا ، عارفاً بالكتاب والسنّة والاتقان للاختلاف والقياس ولغة العرب ، ليقدّم المحكم على المتشابه ، والخاصّ على العام ، والمبيّن على المجمل ، والناسخ على المنسوخ ، ويبني المطلق على المقيّد ، ويقضي بالتواتر دون الآحاد ، وبالمسند دون المرسل ، وبالمتّصل دون المنقطع ، وبالاتّفاق دون الاختلاف ، ويعرف أنواع الأقيسة من الجليّ والواضح والخفيّ ليتوسّل بها إلى الأحكام ، ويعرف أقسام الأحكام من الواجب والمحظور والمندوب والمكروه ، ولا يتّصف بالقضاء مَن لم يجمع هذه الأمور ويستولي على الأمد ، والغاية فيها . ومن المعلوم أنّ عليّاً عليه السلام حاز فيها قصبات السبق وشأى « 2 » في إحراز غاياتها جميع الخلق ، وهذا حصل له ببركة دعاء النبيّ صلى الله عليه وآله حين أنفذه إلى اليمن وقد تقدّم ذكر ذلك ، فقال : « ترسلني [ وأنا حديث السنّ ] ولا علم لي بالقضاء ؟ فقال لي : إنّ اللَّه سيهدي قلبك ويثبّت لسانك ، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الآخر كما سمعت من الأوّل ، فإنّه أحرى أن يُبين لك القضاء » . قال : « فما زلت قاضياً ، وما شككت في قضاء بعد » « 3 » .
--> ( 1 ) راجع نفس المصادر ذيل الرقم السابق . ( 2 ) أي سبق . ( 3 ) مطالب السؤول : ص 64 فصل 6 عن سنن أبي داود : 3 : 301 ح 3582 باب « كيف القضاء » ، وما بين المعقوفين من المصدر . ورواه أحمد في المسند : 1 : 111 و 149 ، والنسائي في الخصائص : ح 35 ، والبيهقي في سننه : 10 : 86 كتاب آداب القاضي . وله شاهد من حديث أبي جحيفة : رواه الكنجي في كفاية الطالب : ص 112 في آخر الباب 18 .