الشيخ محمد هادي معرفة

70

التفسير الأثرى الجامع

يخيّر بين خير وشرّ ، ولا شكّ في أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يخيّر إلّا بين خيرين . وكذلك نحن على يقين من أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يترك أحدا على اختياره ما هو فساد له في دينه أو في حالته ، فقد يسوء اختيار الصغير لنفسه ويميل إلى الراحة والإهمال ، فلا شكّ في أنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إن كان خيّر الصبيّ فلم ينفذ اختياره إلّا وقد اختار الّذي يجب أن يختار ، لا يجوز غير ذلك أصلا . ثمّ تعرّض لحديث عبد الحميد الأنصاري عن أبيه عن جدّه حيث إنّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خيّر الولد بين أبيه المسلم وأمّه الكافرة . قال : هذا خبر لم يصحّ قطّ ؛ لأنّ الرواة اختلفوا ، فقال عثمان البتّي : عبد الحميد الأنصاري عن أبيه عن جدّه . وقال مرّة أخرى : عبد الحميد بن يزيد بن سلمة أنّ جده أسلم . وقال ثالثة : عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جدّه . وقال عيسى : عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جدّه رافع بن سنان . وكلّ هؤلاء مجهولون ، ولا يجوز تخيير بين كافر ومسلم أصلا « 1 » . ثمّ ذكر أقوال السلف وعقّبها بقوله : إنّما أوردنا هذه الأقوال ليوقف على تخادلها وتناقضها وفسادها ، وأنّها استحسانات لا معنى لها ، وليظهر كذب من ادّعى الإجماع في شيء من ذلك ! « 2 » * * * وقال المارديني الشهير بابن التركماني - في شرحه على سنن البيهقي - : ذكر فيه حديث عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رافع بن سنان ، ثمّ قال : رافع جدّ عبد الحميد ! قلت : هو جدّ جدّه ، لأنّه عبد الحميد بن جعفر بن عبد اللّه بن الحكم بن رافع . ثمّ قال : وفي هذا الحديث أشياء : أوّلها : أنّ عبد الحميد متكلّم فيه ؛ كان يحيى القطّان يضعّفه ، وكان الثوري يحمل عليه ويضعّفه ، كذا في الضعفاء لابن الجوزي . ثانيها : أنّه مضطرب الإسناد والمتن . قال ابن القطّان : ورويت القصّة من طريق عثمان البتّي عن عبد الحميد بن سلمة عن أبيه عن جدّه : أنّ أبويه اختصما فيه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أحدهما مسلم والآخر كافر ، فخيّره فتوجّه إلى الكافر ، فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : اللّهمّ اهده . فتوجّه إلى المؤمن . فقضى له به .

--> ( 1 ) المحلّى 10 : 326 - 327 . ( 2 ) المصدر : 331 .