الشيخ محمد هادي معرفة
56
التفسير الأثرى الجامع
وقفة عند آية المضارّة قوله تعالى : لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ فسّرت بوجهين : لا يضارّ أحد الوالدين بسبب ولدهما ، لا الأمّ بالتضايق عليها باستلاب الولد منها ولا الأب بتكليفه الإنفاق فوق المستطاع . وهذا هو الشائع بين المفسّرين ورجّحناه لدلائل نذكرها . والوجه الثاني : لا يضرّان بالولد ، لا الأمّ بترك إرضاعه ، ولا الأب بالإمساك عن الإنفاق أو باستلابه من الأمّ . فالباء على الأوّل سببيّة ، وكلمة « يضارّ » بالبناء للمفعول أي لا يضارر أحد الوالدين بسبب الولد ، فلا يجعل الولد ذريعة للإضرار بأحدهما . وعلى الثاني فالباء صلة ، و « يضارّ » بالبناء للفاعل أي لا تضارر الأمّ ولدها بالامتناع من الإرضاع ، ولا الأب بأن لا ينفق أو يستلبه من أمّه . غير أنّ لفظة « يضارّ » - إذا أريد بها البناء للفاعل ، تتعدّى إلى المفعول به بذاتها من غير حاجة إلى تعديتها بالباء ، قال تعالى : وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ « 1 » . وقوله تعالى : وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ « 2 » . أي لا يضارر كاتب ولا شهيد . وهكذا هنا ، كان الأنسب هو فرض لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ . . . أنّه بالبناء للمفعول ، ولا موجب لفرضه مبنيّا للفاعل ، ليستدعي جعل الباء زائدة « 3 » . على أنّ مناسبة السياق أيضا تقتضي البناء للمفعول لتكون الباء سببيّة . ذلك أنّه تعالى فرض أوّلا على الوالدات إرضاع أولادهنّ حولين كاملين . وعقّبه بتكليف المولود له القيام برزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف - لأنّ مفروض الكلام هي حالة فراق الزوجين - فلا يكون إرضاعها للولد بلا مقابل ، وإلّا كان تكليفها بالإرضاع شاقّا وحرجا عليها ؛ كما أنّه ليس لها مطالبة الأب بأكثر من القدر المعروف . وإلّا كان تكليفا شاقّا عليه .
--> ( 1 ) الطلاق 65 : 6 . ( 2 ) البقرة 2 : 282 . ( 3 ) كما صرّح بزيادتها صاحب المجمع 2 : 114 .