الشيخ محمد هادي معرفة

547

التفسير الأثرى الجامع

لا شكّ أنّ الميل إلى الخير ممّا أودع في طبع الإنسان ، وأنّه يفعل الخير بطبعه وتكون له فيه لذّة وارتياح نفس ، ولا يحسّ الإنسان إلى تكلّف في فعل الخير ، لأنّه يشعر بأنّ كلّ أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضا . وأمّا الشرّ فإنّه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا هي مقتضى فطرتها ، ومهما كان الإنسان شرّيرا فإنّه لا يخفى عليه أنّ الشرّ ممقوت وصاحبه مهين . خذ لذلك مثلا الطفل ، ينشأ على الصدق والأمانة ، ما لم يرى الكبار يتعاطون الكذب والخيانة ، فيتعاطاهما بالتقليد والتأسّي ، ومع ذلك لا ينفكّ يشعر بقبحهما ، حتّى إذا نبذ أحد أمامه بلقب الكاذب والخائن ، أحسّ بمهانة وخزي في الموصوف بهما . وهكذا شأن الإنسان عندما يقترف قبيحا ، يشعر في نفسه بقبحه ويجد من أعماق سريرته هاتفا يوبّخه ويحذّره مغبّة عمله ذلك القبيح . نعم حيث كان الإنسان ينشأ بين منازعات الكون وفواعل الطبيعة وأحيائها ومغالبة أبناء جنسه على المنافع والمرافق ، وقد يدفعه هذا التنازع إلى الأثرة وتوفير المنافع لنفسه خاصّة ، ويلجئه الظلم إلى الظلم ومقابلة التعدّي بالتعدّي ، فيأتيه تعاطي الشرّ متعلّما إيّاه تعلّما متكلّفا له تكلّفا ، وفي نفسه ذلك الهاتف الفطري ، يقول له : لا تفعل . وهذا هو النبراس الإلهي الّذي لا ينطفئ أبدا . فإذا رجع الإنسان إلى أصل فطرته لا يرى إلّا الخير ، ولا يميل إلّا إليه . وإذا تأمّل الشرّ الّذي قد يعترض طريقه ، لم يخف عليه أنّه ليس من أصل الفطرة ، وإنّما هو من الطوارئ الّتي تعرض عليها ، لا سيّما من ينشأ بين قوم فسدت فطرتهم ، فيتطبّع تطبّعا على الفساد ، وعلى خلاف ذاته وفطرته ، ومع ذلك فإنّ الفطرة لا تنطفئ رأسا ، وهي الحجّة القائمة مع كلّ نفس وتكون زاجرة ورادعة أبدا ، مهما بلغ في الفساد . ومنه يعلم وجه قوله تعالى - في الخير - : كسبت . وفي الشرّ : اكتسبت . وذلك أنّ عمل الخير - حيث كان متلائما مع الفطرة - كان سهلا وكانت عاقبته حميدة . وعمل الشرّ عسرا ومغبّته ذميمة .