الشيخ محمد هادي معرفة

539

التفسير الأثرى الجامع

الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ أي صدّق الرسول بجميع هذه الأشياء الّتي جرى ذكرها ، وكذلك المؤمنون . قال : ومعنى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب قبلنا ، الّذين آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض « 1 » . وقد تقدّم الكلام على نظيره عند قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ « 2 » . قوله : وَمَلائِكَتِهِ . والإيمان بملائكة اللّه طرف من الإيمان بالغيب « 3 » ، الّذي تحدّثنا عن قيمته في حياة الإنسان ، ويخرج به من نطاق الحواسّ المضروب على الحيوان ، ويطلقه يتلقّى المعرفة ممّا وراء هذا النطاق الحيواني ، كما يجعله يستهدف الانطلاق إلى تلك الحياة الخالدة الّتي تخرق هذا النطاق المحدود ، وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ « 4 » . وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا . . . . والسمع كناية عن الرضا والقبول لكلّ ما جاءهم من عند اللّه . والطاعة : الامتثال لكلّ ما أمرهم اللّه به ، من غير تبعيض ولا تفريق . نعم ، الإيمان الصادق : ما وقر في القلب وصدّقه العمل . كما وأنّ مع السمع والطاعة قد يأتي الشعور بالتقصير والعجز عن توفية آلاء اللّه حقّ شكرها ، وفرائض اللّه حقّ أدائها . فحان وقت الالتجاء إلى رحمة اللّه ، لتتدارك تقصيرهم وعجزهم ، بسماحته تعالى : غُفْرانَكَ رَبَّنا . والكلمة الحاسمة لمنتهى الإيمان باللّه والشعور بالتقصير لديه ، هو الاعتراف بأنّا للّه وأنّا إليه راجعون ، وأنّه تعالى هو المالك لأزمّة الأمور ، يوم الدين : وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ، ربّنا ، إليك الرجعى وإليك المنتهى ، فلا ملجأ إلّا إليك ولا مطمع إلّا فيك ، وأنت أنت الغفور الرحيم . نعم ، إنّها الوحدة الكبرى ، طابع العقيدة الإسلاميّة الفضلى ترسمها هذه الآية القصيرة : الإيمان باللّه وملائكته والإيمان بجميع كتبه ورسله ، بلا تفريق بين الرسل ، والسمع والطاعة ، والإنابة إلى اللّه

--> ( 1 ) معاني القرآن وإعرابه للزجّاج : 1 : 368 - 369 . ( 2 ) البقرة 2 : 136 . ( 3 ) في مطلع السورة . ( 4 ) العنكبوت 29 : 64 .