الشيخ محمد هادي معرفة
532
التفسير الأثرى الجامع
تدوم إلّا في لحظات معدودة ، والأعمال تدوم ، والعموم يقتضي أن تكون نيّته خير من عمله . وقد يقال : إنّ معناه أنّ النيّة بمجرّدها خير من العمل بمجرّده دون النيّة . وهو كذلك ، ولكنّه بعيد أن يكون هو المراد ، إذ العمل بلا نيّة أو على الغفلة ، لا خير فيه أصلا ، والنيّة بمجرّدها خير ، وظاهر الترجيح في المشتركين أن يكونا مشتركين في أصل الخير . قال : بل المعنى أنّ كلّ طاعة تنتظم بنيّة وعمل ، وكلّ منهما من جملة الخيرات ، إلّا أنّ النيّة من الطاعتين خير من العمل ، لأنّ أثر النيّة في المقصود - وهو اكتمال النفس وابتهاجها برضوان اللّه - أكثر من أثر العمل ، لأنّ صلاح القلب هو المقصود الأصل من التكليف ، والأعضاء آلات موصلة إلى ذلك المقصود ، والغرض من حركات الجوارح أن يعتاد القلب لإرادة الخير وتأكيد الميل إليه ، ليتفرّغ عن شهوات الدنيا ، ويقبل على الذكر والفكر ، فبالضرورة تكون خيرا بالإضافة إلى الغرض . قال تعالى : لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ « 1 » . والتقوى صفة القلب . [ 2 / 8244 ] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد » « 2 » . أراد بها القلب « 3 » . وقال المحقّق الفيض الكاشاني : إنّ المؤمن إنّما ينوي أن يوقع عباداته على أحسن وجه ، لكنّه عندما يشتغل بها قد لا يتيسّر له ذلك فيأتي بما تيسّر له . فالّذي نواه كان خيرا من الّذي عمله ، واللّه تعالى إنّما يجازيه حسبما نوى . وأيضا فإنّ المؤمن ينوي - حسب إيمانه باللّه - أن يأتي بالطاعات ويجتنب السيّئات أبدا . لكنّه قد لا يوفّق لذلك كما نوى ، فنيّته خير من عمله . قال : وإلى هذا المعنى أشار الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام : [ 2 / 8245 ] فيما رواه أبو جعفر الصدوق بالإسناد إلى الحسن بن الحسين الأنصاري عن بعض رجاله عنه عليه السّلام كان يقول : « نيّة المؤمن أفضل من عمله ، وذلك لأنّه ينوي من الخير ما لا يدركه . ونيّة الكافر شرّ من عمله ، وذلك لأنّ الكافر ينوي الشرّ ويأمل من الشرّ ما لا يدركه » « 4 » .
--> ( 1 ) الحجّ 22 : 37 . ( 2 ) ابن ماجة 2 : 1319 / 3984 ؛ مسلم 5 : 51 . ( 3 ) إحياء العلوم 4 : 355 - 357 ، باختصار واختزال . وراجع : المحجّة البيضاء للفيض الكاشاني 8 : 109 - 113 . ومصابيح الأنوار للسيّد عبد اللّه شبّر 2 : 57 / 23 . ( 4 ) علل الشرائع 2 : 524 / 2 ، باب 301 ؛ البحار 67 : 206 / 19 .