الشيخ محمد هادي معرفة
520
التفسير الأثرى الجامع
زوجته ظانّا أنّها حائض ، فبانت طاهرة . ومنها : لو هجم على طعام بيد غيره وأكله ، فبان أنّه ملك للآكل . ومنها : لو ذبح شاة بظنّها للغير بقصد العدوان ، فظهرت ملكه . ومنها : ما إذا قتل نفسا بظنّها معصومة ، فبانت مهدورة . وقد قال بعضهم : يحكم بفسق متعاطي ذلك ، لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي ، ويعاقب في الآخرة - ما لم يتب - عقابا متوسّطا بين عقاب الكبيرة والصغيرة « 1 » . قال الشهيد : وكلاهما - أي العقاب في الآخرة وأنّه متوسّط بين الأمرين - تحكّم وتخرّص بالغيب « 2 » . قلت : دلالته على عدم المبالاة بالدين ، بل وعلى خبث الباطن ، ممّا لا شكّ فيه . أمّا أنّه يعاقب وأنّه عقابه كذا ، فهذا رجم بالغيب ، فضلا عمّا ورد من العفو عنه ، وبذلك تظاهرت الروايات . وقال الشيخ محمّد بهاء الدين - في تعليقته على كلام الشهيد - : قوله : « لا يؤثّر نيّة المعصية عقابا ولا ذمّا » ، غرضه - طاب ثراه - : أنّ نيّة المعصية وإن كانت معصية ، إلّا أنّه وردت الأخبار بالعفو عنها ، لم يترتّب عليها عقاب ولا ذمّ ، وإن ترتّب استحقاقهما . ولم يرد أنّ قصد المعصية والعزم عليها غير محرّم ، كما يتبادر إلى بعض الأوهام ، حتّى لو قصد الإفطار - مثلا - في شهر رمضان ولم يفطر ، لم يكن آثما ، كيف والمصنّف مصرّح في كتب الفروع بتأثيمه « 3 » . قال : والحاصل أنّ تحريم العزم على المعصية ممّا لا ريب فيه عندنا ، وكذا عند سائر الفقهاء ، وكتب الفقه والتفسير والحديث مشحونة بذلك ، بل هو من ضروريّات الدين . ثمّ أخذ في نقل كلام كبار العلماء بهذا الشأن : قال أبو عليّ الطبرسي - عند تفسيره لقوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا « 4 » من كتابه « جوامع الجامع » « 5 » - الّذي هو اختصار لتفسير الكشّاف للزمخشري - : « يقال للإنسان : لم سمعت ما لا يحلّ لك سماعه ، ولم نظرت إلى ما لا يحلّ لك النظر إليه ، ولم عزمت على ما لا يحلّ لك العزم عليه ؟ » .
--> ( 1 ) انظر : قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعزّ الدين عبد السّلام 1 : 25 - 26 . ( 2 ) القواعد والفوائد 1 : 107 - 108 ، الفائدة 21 . ( 3 ) راجع : الدروس 1 : 214 ، كتاب الصوم . ( 4 ) الإسراء 17 : 36 . ( 5 ) جوامع الجامع 2 : 328 .