الشيخ محمد هادي معرفة
504
التفسير الأثرى الجامع
الكتابة والشهادة ، فالآن يوجب لهم الحماية والرعاية ، ليتوازن الحقّ والتكليف في أداء الوظائف العامّة : وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ لا يقع ضرر على كاتب أو شاهد ، بسبب أدائه لواجبه الّذي فرضه اللّه عليه . وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وإن وقع ، فإنّه يكون خروجا عن شريعة الحقّ ومخالفة لمنهج العدل المستقيم . وهذا احتياط لا بدّ منه ، لأنّ الكتّاب والشهود معرّضون لسخط أحد الفريقين المتعاقدين في أحيان كثيرة ، فلا بدّ من تمتّعهم بالضمانات الّتي تطمئنّهم على أنفسهم وتشجّعهم على أداء واجبهم بالذمّة والأمانة والنشاط في أداء الواجبات ، والحيدة في جميع الأحوال . إذن وَاتَّقُوا اللَّهَ في رعاية الواجب لحقوق الآخرين ، فلا إرعاب ولا إرهاب ممّا يوجب الخروج عن حدود ما فرض اللّه . وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ معالم دينكم ويبيّن لكم الطريقة المثلى وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لا يغفل عن شيء من مصالحكم وما فيه صلاحكم في الحياة ، واللّه بكلّ شيء محيط ، ولا يعزب عن علمه شيء . وبعد فتيسيرا للتعامل ، مع ضمان الوفاء ، رخّص الشارع في التعاقد الشّفوي بلا كتابة ، مع تسليم رهن مقبوض للدائن ضمانا للدين : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ . وهنا يستجيش الشارع ضمائر المؤمنين للأمانة والوفاء بدافع من تقوى اللّه ، فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً اعتمده وجعل من إيمانه وثيقة لأماناته ، فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ والمدين مؤتمن على الدين ، والدائن مؤتمن على الرهن ، وكلاهما مدعوّ لأداء ما اؤتمن عليه ، لموضع تقوى اللّه ربّه ، الّذي هو حاضره وناظره ، وهو سيّده ومولاه . كما وبدافع من التقوى من اللّه : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ : زائف ضميره وقد عاكس فطرته الذاتيّة الباعثة على الطهارة والنزاهة عن الأدناس ، ويعقّب على ذلك بتهديد ملفوف ، فليس هناك خاف على اللّه : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وهو يجزي عليه بمقتضى علمه بالأحوال الكامنة وراء الأعمال . ذلك أنّ اللّه بيده مقاليد السماوات والأرض ، وكلّ ما هو كائن في عالم الوجود : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ