الشيخ محمد هادي معرفة
502
التفسير الأثرى الجامع
عرضة للخطإ والضلال أي الضياع وعدم الاهتداء إلى ما كان اهتداء بالضبط ، فاحتيج إلى إقامة الثنتين مقام الرجل الواحد ، لأنّهما بتذكير كلّ منهما للأخرى تقومان مقام الرجل . فإذا تركت إحداهما شيئا من الشهادة ، كأن نسيته أو ضلّ عنها ، فتذكّرها الأخرى وتتمّ شهادتها . وهذا من اختصاص شهادة النساء ، وليس ذلك بجائز في شهادة الرجال . فللقاضي - بل عليه - أن يسأل إحداهما بحضور الأخرى ويعتدّ بجزء الشهادة من إحداهما وبباقيها من الأخرى . قال الشيخ محمّد عبده : « وهذا هو الواجب ، وإن كان القضاة لا يعملون به ، وهذا غفلة منهم عن صريح القرآن » « 1 » . شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد إذن كانت شهادة امرأتين منضمّة بعضها إلى بعض ، بمنزلة شهادة رجل واحد ، ولما ذا ؟ جاء التعليل في الآية بأنّ إحداهما قد تضلّ فيما تحمّلته حين الأداء ، فكانت الأخرى هي الّتي تذكّرها ما غاب عنها ، فكانت شهادة المرأتين بتذكّر إحداهما للأخرى بمنزلة شهادة رجل واحد . وذلك أنّ المرأة أكثر عرضة للنسيان فيما لا يعود إلى شؤون أنفسهنّ بالذات ، ممّا لا يهمّها في حياتها الأنوثيّة ، فربّما لا تضبط تفاصيل ما تحمّلته بجميع خصوصيّاته وجزئيّاته المعتبرة في الشهادة حين الأداء ، ولا سيّما إذا بعد العهد وطال الأمد بين التحمّل والأداء ، فكانت كلّ واحدة منهما تذكّر الأخرى ما ضلّ عنها ، وبذلك تكمل شهادتهما معا كشهادة واحدة ، بتلفيق بعضها مع بعض وضمّ بعضها إلى بعض ، بتفاعل الذاكرتين وتعاملهما معا بعضا إلى بعض ، الأمر الّذي لا يجوز في شهادة الرجال ، فلو اختلفت الشهادات ولو في بعض الخصوصيّات فقدت اعتبارها ! ومن ثمّ جاز التفريق في شهادة الشهود لغرض الاستيثاق ، بل قد يجب عند شبهة الاتّهام . قال الشيخ محمّد عبده : « إنّ اللّه - تعالى - جعل شهادة المرأتين شهادة واحدة ، فإذا تركت إحداهما شيئا من الشهادة كأن نسيته أو ضلّ عنها تذكّرها الأخرى وتتمّ شهادتها . . . وأمّا الرجال فلا يجوز ذلك فيهم ، بل يجب أن يفرّق بينهم ، فإن قصّر أحد الشاهدين أو نسي ، فليس للآخر أن
--> ( 1 ) المنار 3 : 125 .