الشيخ محمد هادي معرفة
483
التفسير الأثرى الجامع
قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وبعد تلك العظة البالغة العامّة الشاملة ، جاء دور توجيه الخطاب إلى الجماعة المسلمة المعاصرة لنزول الخطاب ، فليكفّوا عن شنيعتهم تلك المقيتة ، أمّا إن لم ينتهوا ، فليعلموا أنّهم بإصرارهم على عملهم الجاهليّ القديم ، معلنون بحرب شعواء ضدّ تعاليم الإسلام ، فيصبحوا بعد إيمانهم كفّارا محاربين للّه ولرسوله . لكنّهم إن تابوا وانتهوا عن مراودة الربا ، فإنّ لهم رؤوس أموالهم مجرّدة تعود إليهم ، أمّا الأرباح الّتي كانوا يتوقّعونها فتعود إلى المدينين . لا تظلمون في اقتضاء ربح ، ولا تظلمون في مصادرة رؤوس أموالكم . وهذا هو مقتضى كلّ عقد فاسد ، أو ما تبيّن فساده بعد ، فإنّ كلّا من العوضين يعود إلى صاحبه القديم . قوله تعالى : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ولمّا كان قوله تعالى - في الآية السابقة - : فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ، قد يستشعر منه استرجاع رؤوس الأموال معجّلة - حسب مقتضى انفساخ العقود الباطلة - جاءت الآية هنا لاستدراك هذا المعنى ، وأنّ الإسلام لا يفسح المجال للدائن ليطارد المدين المعسر ، حتّى ولو حلّ أجله . فيجب بحكم قانون العدل إنظاره إلى ميسرته ، أو يسمح له بالإبراء والتصدّق بذلك في سبيل مرضاته تعالى . وهذا إحسان إلى جنب ذلك العدل . إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ « 1 » . وهذا هو منهج الإسلام الحنيف ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر . ومن ثمّ عقّبه بقوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، فإن كانوا صادقين في إيمانهم فليرضخوا لدستوراته الحكيمة المبتنية على أساس العدل والإحسان . * * * ثمّ يجيء التعقيب العميق الإيحاء ، الّذي ترجف منه النفس المؤمنة ، وتتمنّى لو تنزّل عن الدين كلّه ، ثمّ تمضي ناجية من سخط اللّه يوم الحساب : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
--> ( 1 ) النحل 16 : 90 .