الشيخ محمد هادي معرفة
480
التفسير الأثرى الجامع
المرابين من خروج حركاتهم عن النظام المألوف ، هو أثر اضطراب في نفوسهم وتغيّر أخلاقهم ، كان لا بدّ أن يبعثوا عليه ، فإنّ المرء يبعث على ما مات عليه ، لأنّه يموت على ما عاش عليه . وهناك تبدو صفات النفس الخسيسة في أقبح مظاهرها ، كما تتجلّى صفات النفس الزكيّة في أبهى مجاليها « 1 » . الأمر الّذي عبّروا عنه بتجسّم الأعمال والصفات . هل للجنّ أن يمسّ الإنسان في ذات نفسه ؟ تلك كانت مزعومة العرب : أنّ المصروع الّذي يعبّر عنه بالممسوس ، إنّما يتخبّطه الشيطان ، أي إنّه يصرع بمسّ الشيطان له . وقد كان معروفا عند العرب وجاريا في كلامهم مجرى المثل . كما تقدّم في قول الأعشى ، يصف ناقته في نشاطها الهائج « 2 » . قال البيضاوي في التشبيه الوارد في الآية : « وهو وارد على ما يزعمون أنّ الشيطان يخبط الإنسان فيصرع ، والخبط : ضرب على غير اتّساق ، كخبط العشواء . قال : وقوله : مِنَ الْمَسِّ أي الجنون . وهذا أيضا من زعماتهم أنّ الجنّيّ يمسّه فيختلط عقله ، ولذلك قيل : جنّ الرجل » « 3 » . وبعد فهل كان كلامه تعالى - هنا - مجاراة مع العرب وتوافقا معهم فيما زعموه ؟ لكنّا نبّهنا - مسبقا عند الكلام عن الشبهات حول القرآن وردودها « 4 » - أنّ مثل هذا التعبير مجاراة في الاستعمال محضا ، وأنّ المراد من المساس في الآية هو مسّ وساوسه الخبيثة المغرية ، الّتي هي عبارة عن استحواذه على عقليّة أهل المطامع ، ليتيه بهم الدرب ويجعلهم في السعي وراء مطامعهم يتخبّطون خبط عشواء ، وفي غياهب من تيه الضلال . وهذا يعني : استيلاء الشيطان على مشاعرهم ، فعموا وصمّوا كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ . « 5 » اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ « 6 » . يقول تعالى - بشأن من حاول اقتراف خطيئة عفوا وليس من دأبه ، بل من وساوس شيطانيّة خبيثة طارئة ، فيتذكّر ويئوب إلى رشده - : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ
--> ( 1 ) المنار 3 : 94 - 95 . ( 2 ) تقدّم عند نقل كلام ابن عطيّة . ( 3 ) البيضاوي 1 : 267 . ( 4 ) التمهيد 7 : 211 - 212 . ( 5 ) الأنعام 6 : 71 . ( 6 ) المجادلة 58 : 19 .