الشيخ محمد هادي معرفة

382

التفسير الأثرى الجامع

يدعوا : « اللّهمّ اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سنّي وانقطاع عمري » « 1 » . * * * وبعد ، فيمضي السياق خطوة أخرى في دستور الصدقة ، تبيينا لنوعها الصالح للإنفاق في سبيل اللّه . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ . نعم إذا كانت الصدقات إنفاقا في سبيل اللّه ، وعملا صالحا يقدّمه العباد إلى ساحة المولى الكريم ، فأجدر به أن يكون من أحسنه ومن أجود المال وأطيبه . حيث مقتضى الكرامة أن يكون الجود بأفضل الموجود : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ « 2 » . ولا يليق بكرامة الباذل أن يعمد في بذله إلى خبيث المال ورديئه ، فيقدّمه إلى مولاه الكريم . وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ . تيمّم الشيء : توخّاه وتعمّده . والخبيث : الرديء المستكره . أي ولا تعمدوا إلى رديء المال ومستكرهه عندكم ، لتبذلوه في سبيل اللّه . فقد كنتم تعافونه إذا قدّم إليكم ، فكيف لا تعافون تقديمه إلى مولاكم ؟ ! فلو كان قد قدّم إليكم في صفقة ( بيعة ) ما قبلتموه ، بل رفضتموه ، لمكان رداءته . إلّا إذا انتقص من ثمنه بإزاء موضع رداءته . فتغمضوا في قبوله أي تساهلون فيه . فمال هكذا شأنه ، بحيث لا يتبادل إلّا في إغماض وتساهل ، عمّا فيه من العيب والرداءة ، فكيف تعمدون إلى إنفاقه والصدقة به على الفقير المعوز ، الّذي هو مرغم على القبول ، لمكان فقره وحاجته ، وهذا استغلال لفرصة غير حميدة . بل وتحقير بذيء لصاحب الحاجة الّذي قصدك أن تسمح له ممّا أنعم اللّه عليك ، وفي سبيل رضاه تعالى ! واللّه الّذي أغناك هو أولى بأن يسخط عليك ويسلبك نعمته .

--> ( 1 ) الدرّ 2 : 49 ؛ الأوسط 4 : 62 / 3611 ؛ الحاكم 1 : 542 ، كتاب الدعاء ؛ مجمع الزوائد 10 : 182 ، كتاب الأدعية ، قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن ؛ ابن كثير 1 : 327 ، وفيه « وانقضاء » بدل قوله : « وانقطاع » ؛ كنز العمّال 2 : 188 / 3682 . ( 2 ) آل عمران 3 : 92 .