الشيخ محمد هادي معرفة
380
التفسير الأثرى الجامع
فيغرس مثل بستانه ، ولا يجد خيرا قدّم لنفسه يعود عليه ، كما لم يغن عن هذا ولده وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه ، كما حرم هذا جنّته عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذرّيّته . قال : وهو مثل ضربه اللّه للمؤمن والكافر فيما أوتيا في الدنيا ، كيف نجى المؤمن في الآخرة وذخر له من الكرامة والنعيم ، وخزن عنه المال في الدنيا ، وبسط للكافر في الدنيا من المال ما هو منقطع ، وخزن له من الشرّ ما ليس بمفارقه أبدا ويخلد فيها مهانا ، من أجل أنّه فخر على صاحبه ووثق بما عنده ولم يستيقن أنّه ملاق ربّه « 1 » . [ 2 / 7686 ] وأخرج ابن جرير عن عبد الملك ، عن عطاء ، قال : سأل عمر الناس عن هذه الآية فما وجد أحدا يشفيه ، حتّى قال ابن عبّاس وهو خلفه : يا أمير المؤمنين إنّي أجد في نفسي منها شيئا ، قال : فتلفّت إليه ، فقال : تحوّل هاهنا ، لم تحقّر نفسك ! قال : هذا مثل ضربه اللّه - عزّ وجلّ - فقال : أيودّ أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة ، حتّى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره واقترب أجله ، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء ، فأفسده كلّه فحرّقه أحوج ما كان إليه « 2 » . وهذا الخبر أخرجوه بطرق فيها بعض زيادة ونقص : [ 2 / 7687 ] أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عبّاس قال : قال عمر بن الخطّاب : قرأت الليلة آية أسهرتني : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ فقرأها كلّها فقال : ما عنى بها ؟ فقال بعض القوم : اللّه أعلم ! فقال : إنّي أعلم أنّ اللّه أعلم ، ولكن إنّما سألت إن كان عند أحد منكم علم وسمع فيها شيئا أن يخبر بما سمع ؟ فسكتوا . فرآني وأنا أهمس . قال : قل يا ابن أخي ولا تحقّر نفسك . قلت : عنى بها العمل . قال : وما عنى بهذا العمل ؟ قلت : شيء ألقي في روعي فقلته . فتركني وأقبل وهو يفسّرها « 3 » ، ثمّ التفت إليّ وقال : صدقت يا ابن أخي ، عنى بها العمل ، ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنّته إذا كبرت سنّه وكثر عياله ، وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم القيامة ، صدقت يا ابن أخي « 4 » .
--> ( 1 ) الطبري 3 : 107 / 4778 ؛ ابن أبي حاتم 2 : 523 - 524 / 2778 ؛ الدرّ 2 : 48 ؛ ابن كثير 1 : 327 . ( 2 ) الطبري 3 : 105 / 4772 . ( 3 ) ولعلّ الصحيح : وهو يستفسرهم . ( 4 ) الدرّ 2 : 47 ؛ كنز العمّال 2 : 356 / 4228 .